كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
إن لم يُؤْمَرُوا بالمعروفِ وَيُنْهَوْا عن المنكرِ وَيُضْرَبْ على أيديهم أنهم يُهلِكونَ الجميعَ، فيهلك الجميعُ بذنوبهم.
وفي الحديثِ الصحيحِ المشهورِ من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ أُمِّ الحكمِ زينبَ بنتِ جحشٍ (رضي الله عنها): أنها لَمَّا سَمِعَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هَكَذَا». وعقدَ التسعينَ مثل هذا. أنها (رضي الله عنها) لَمَّا سَأَلَتْهُ فقالت: أَنَهْلِكُ وفينا الصالحونَ؟ قال: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» (¬١) فإذا انتشرت المعاصي وكثر الخَبَثُ ولم يُضرب على أيدي السفهاءِ أوشكَ اللهُ أن يعمهم بعذابٍ من عندِه؛ ولذا عَمَّ جميعَ مَنْ في الأرضِ بذنوبِ مَنْ كَذَّبُوا نوحًا عليه وعلى نبيِّنا الصلاةُ والسلامُ.
وَلَمَّا دعا عليهم نوحٌ قيلَ لنوحٍ: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: آية ٤٠] الذي سَبَقَ عليه القولُ مِنْ أَهْلِهِ: زوجتُه الكافرةُ - قَبَّحَهَا اللَّهُ - وابنُه الكافرُ - والمؤرخونَ يزعمونَ أن اسمَه كَنْعَانُ - فلما رَكِبَ نوحٌ في السفينةِ، وَفَجَّرَ اللهُ عيونَ الأرضِ، وأنزلَ الماءَ من السماءِ فالتقَى الماءُ على أَمْرٍ قد قُدِرَ، أَهْلَكَهُمُ اللهُ بذلك الطوفانِ، ولم يُبْقِ منهم باقيةً. وفي قصتِهم: أن اللَّهَ (تبارك وتعالى) لو كان يرحمُ أحدًا منهم لَرَحِمَ امرأةً منهم في القصةِ؛ لأن عندَها ولدًا صغيرًا تُحِبُّهُ حُبًّا شديدًا، كانت كلما طلع الماءُ ارْتَفَعَتْ بالولدِ إلى الجبلِ، حتى صارت على رأسِ الجبلِ، فَطَمَّ الماءُ على الجبلِ، فكان الماءُ
---------------
(¬١) البخاري في الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل للعرب ... » حديث رقم (٧٠٥٩)، (١٣/ ١١)، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة باب: اقتراب الفتن ... حديث رقم: (٢٨٨٠)، (٤/ ٢٢٠٧).