كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
الرياحَ وَنَشَفَتِ الأرضُ، ويبست من آثارِ ذلك الطوفانِ نَزَلَ نوحٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَنَاسَلَ مَنْ مَعَهُ، وصارَ جميعُ الدنيا من أولادِه الثلاثةِ الذين كانوا مَعَهُ، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧)} [الصافات: آية ٧٧].
والمؤرخونَ يُسَمُّونَ نوحًا: آدمَ الأصغرَ؛ لأن جميعَ مَنْ بَعْدَهُ من الدنيا من نَسْلِهِ. وأولادُه الذين مَعَهُ: سام وحام ويافث. وبعضُ المؤرخين يقولونَ: إن جميعَ الموجودين في الدنيا راجعٌ إلى تلك الأصنافِ التي هِيَ مِنْ نسلِ هؤلاء الرجالِ، ويزعمونَ أن سَامًا من نسلِه: العربُ والرومُ والفرسُ، وأن حامًا من نسلِه: القبطُ والسوادين والبربرُ، وأن يافث من نسلِه: الصقالبةُ ويأجوجُ ومأجوجُ والتركُ. وأن جميعَ أنواعِ الناسِ يرجعُ في الأصلِ إلى هذه العناصرِ، هكذا يقولونَ، وَاللَّهُ تعالى أَعْلَمُ (¬١). وَلِذَا قال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} [الأعراف: آية ٦٤].
الْفُلْكُ: السفينةُ. وهذه السفينةُ تَمْشِي في البحرِ تحملُ الناسَ، آية من آياتِ الله، كما قال: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)} [يس: آية ٤١] وفي القراءةِ الأخرى (¬٢): {ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَاّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)} [يس: الآيات ٤١ - ٤٤] الفلكُ: السفينةُ، وَيُطْلَقُ على جمعِ السفنِ، فهو يُطْلَقُ على المفردِ وعلى الجمعِ. قال بعضُ علماءِ العربيةِ (¬٣): إن أُطْلِقَ على
---------------
(¬١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١١٥).
(¬٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٧١.
(¬٣) انظر: المفردات للراغب ص٦٤٥.