كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

داود - عليه السلام - كمَا قال الله له: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} [سبأ: الآيتان ١٠، ١١] والله يعلِّمه أصولَ الحدادةِ كقولِه: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: آية ١١] لأن قولَه: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} من أعظمِ تعاليمِ أصولِ الحدادةِ؛ لأَنَّ معنَى: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} السردُ في لغةِ العربِ (¬١): نسجُ الدرعِ، تُسَمِّيهِ العربُ سردًا وزردًا، وتسمي ناسجَ الدروعِ: سرَّادًا زَرَّادًا، ودرعٌ مسرودةٌ كما هو معروفٌ، ومنه قولُ أَبِي ذُؤَيْبٍ (¬٢):
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا ... دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ

وقولُ الآخَرِ (¬٣):
نَقْرِيهِمُ لَهْذَمِيَّاتٍ نَقُدُّ بِهَا ... مَا كَانَ خَاطَ عَلَيْهِمْ كُلُّ زَرَّادِ

فمعنَى: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: آية ١١] أي: اجْعَلِ المساميرَ والحِلَقَ في نسجِ الدروعِ بأقدارٍ متناسبةٍ متلائمةٍ؛ لأن المسمارَ إن كان أكبرَ من الحلقةِ جِدًّا كَسَرَهَا، وإذا كان أصغرَ منها جِدًّا لم يَشُدَّهَا كما ينبغي، فإذا كانت المساميرُ والحِلَقُ بأقدارٍ متناسبةٍ كانت الدروعُ مشدودةً كما ينبغي، تردُّ وقعَ السلاحِ من السيوفِ والسهامِ. وهذا مِمَّا يدلُّ على أن الحِرَفَ الصناعيةَ لَا ينبغي التكاسلُ فيها ولا عدمُ تعاطيها؛ لأن أولَ مَنْ تعاطاها الرسلُ الكرامُ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم - وكانت آثارُها الكريمةُ ظاهرةً في المجتمعِ؛ لأن الموجودين في الدنيا كانوا مَوْجُودِينَ بفضلِ اللَّهِ ثم بسببِ تلك الصناعةِ التي هي
---------------
(¬١) انظر: المفردات (مادة: سرد) ص٤٠٦، القرطبي (١٤/ ٢٦٧).
(¬٢) البيت في القرطبي (١٤/ ٢٦٨).
(¬٣) البيت للقطامي، وهو في الكامل (١/ ٨٣)، أسرار البلاغة ص٤٠، ٤٥.

الصفحة 469