كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

نبيَّه هودًا. وَصَرَّحَ اللهُ في سورةِ الأحقافِ بأن منازلَهم في الأحقافِ، والأحقافُ جمعُ الحِقْفِ، والحِقْف حبلُ الرملِ (¬١). وهم يزعمونَ أنها حبالُ الرملِ التي في أطرافِ اليمنِ أو حضرموتَ، كانوا إلى تلك الجهةِ كما يأتِي في قولِه: {إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: آية ٢١] والأحقافُ جمعُ الحِقْفِ، والحِقْفُ: هو الحبلُ الممتدُّ العالِي من الرملِ، فَهُمْ في رمالٍ هناك، كانت منازلُهم في رمالٍ تتخلَّلُها أوديةٌ في نواحِي اليمنِ أو حضرموتَ، كما يأتي في سورةِ الأحقافِ.
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} ماذا قال هودٌ؟ قال دعوةَ الرسلِ التي جاؤوا بها كلهم وهي عبادةُ اللهِ وحدَه، فَهُمْ متفقونَ على وتيرةٍ واحدةٍ وهي الدعاءُ إلى أن يُعْبَدَ اللَّهُ وحدَه، ويُخلص له في توحيدِه، فهذه دعوةُ الرسلِ التي جاؤوا بها عامةً، وهي التي فيها المعاركُ بينَهم وبين أُمَمِهِمْ، والقرآنُ بَيَّنَ ذلك جملةً وتفصيلاً، أما بيانُه بالتفصيلِ كقولِه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} ماذا قال نوحٌ؟ {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية ٥٩] {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} ماذا قال هودٌ؟ {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية ٦٥] {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} ماذا قال صالحٌ؟ {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية ٧٣] وهكذا في جميعِ الرسلِ. ومن الأدلةِ العامةِ الْمُبَيِّنَةِ لذلك: قولُه تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: آية ٣٦] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَاّ يُوحَى إِلَيْهِ} [الأنبياء: آية ٢٥] وفي القراءةِ الأخرى (¬٢): {نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا
---------------
(¬١) المفردات (مادة: حقف) ص٢٤٨.
(¬٢) انظر: المبسوط لابن مهران ص٣٠١.

الصفحة 476