كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
أتكفرونَ بالله فلا تَتَّقُونَهُ، فلا تتخذونَ بينَكم وبينَه وقايةً تَقِيكُمْ من سخطِه وعذابِه، هي امتثالُ أمرِه واجتنابُ نَهْيِهِ. وكان رَدُّ الكفارِ مُتَشَابِهًا لِتَشَابُهِ قلوبِهم في الكفرِ، كما قال تعالى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: آية ١١٨] فقومُ نوحٍ قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ} [الأعراف: آية ٦٠] وقوم هود قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} [الأعراف: آية ٦٦] والسفاهةُ: (فَعَالة) من السَّفَهِ، وأصلُ السفهِ في لغةِ العربِ هو: الخفةُ والطيشُ، فكلُّ شيءٍ خفيف طائش تُسَمِّيهِ العربُ سفهًا (¬١). وتقولُ العربُ: تَسَفَّهَتِ الريحُ الريشةَ إذا اسْتَخَفَّتْهَا فطارت بها كُلَّ مَطَارٍ. وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬٢):
مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيَهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّواسِمِ
معنَى (تسفهت أعاليها) أي: اسْتَخَفَّتْهَا فَهَزَّتْهَا. هذا أصلُ معنَى السَّفَهِ في لغةِ العربِ.
وهو في الاصطلاحِ المشهورِ: هي خفةُ العقلِ وطيشُ الْحِلْمِ، بحيث يكونُ السفيهُ لا يهتدي إلى مصالِحه، ولا يعرفُ مضارَّه من مصالِحه، لا يميزُ بينَ الضارِّ والنافعِ، ولا الحسنِ ولَا القبيحِ لِخِفَّةِ عقلِه وطيشِه وعدمِ رجاحتِه (¬٣)؛ ولذا كان السفيهُ يجبُ التحجيرُ عليه، وجَعْلُ مالِه تحتَ يَدَيْ وَلِيٍّ يحفظُ له مالَه؛ لأن عقلَه الطائشَ وَحِلْمَهُ الخفيفَ يجعلُه يُضَيِّعُ مالَه.
---------------
(¬١) انظر: المفردات (مادة: سفه) ص٤١٤.
(¬٢) البيت لذي الرمة. وهو في القرطبي (١/ ٢٠٥)، (٧/ ٢٣٦).
(¬٣) انظر: الكليات (٣٤٩، ٥١٠)، القاموس الفقهي ص١٧٣ - ١٧٤.
الصفحة 478