كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
والعلماءُ مختلفونَ في السفهِ الذي يُحْجَرُ به على الرجلِ البالغِ ويُولَّى عليه في مالِه (¬١)، فكانَ مالكُ بنُ أنسٍ (رحمه الله) وعامةُ أصحابِه وَمَنْ وَافَقَهُ من العلماءِ يَرَوْنَ أن السفهَ الذي يُحْجَرُ به على السفيهِ في مالِه ويولَّى عليه غيرَه إنما هو السفهُ في خصوصِ المالِ، بحيث يكونُ طيشُ عقلِه وخفةُ حِلْمِهِ في نفسِ التصرفِ الماليِّ، بحيث يضيعُ عن المعاملاتِ، ولا يُحْسِنُ حفظَه ولا التصرفَ فيه. فَمَنْ كان عندَ مالكٍ يحسنُ التصرفَ في المالِ ويحفظُه وَلَا يُخْدَعُ، بل هو عارفٌ بوجوهِ التصرفاتِ وحفظِ المالِ فمالُه يُدْفَعُ إليه عندَ مالكٍ وأصحابِه، ولا يُسَمَّى سَفِيهًا، ولو كان سِكِّيرًا شِرِّيبًا للخمرِ، مُرْتَكِبًا للمعاصي:
وَشَارِبُ الْخَمْرِ إِذَا مَا ثَمَّرا ... لِمَا يَلِي مِنْ مَالِهِ لَمْ يُحْجَرَا (¬٢)
هذا مذهبُ مالكٍ وأصحابِه. وذهبَ الشافعيُّ في جماعةٍ من العلماءِ إلى أن مَنْ كان يتعاطى المعاصيَ كالشِّرِّيبِ السِّكِّيرِ الذي يشربُ الخمرَ، ويتعاطى المعاصيَ أنه سفيهٌ لَا يُمكَّنُ من مالِه أبدًا حتى تصلحَ حالُه الدينيةُ مع حالِه الدنيويةِ. قال: لأنه لا أحدَ أخفّ حِلْمًا وأطيشَ عَقْلاً من الذي يتسببُ في أن يحرقَ نفسَه بالنارِ، فهذا خفيفُ الحلمِ طائشُ العقلِ، لَا يُعطى له مالُه، فهو السفيهُ بمعنَى الكلمةِ.
وهذا كلامٌ معروفٌ في فروعِ المذاهبِ مشهورٌ؛ ولذا نَسَبَ قومُ هودٍ هودًا إلى خفةِ العقلِ وطيشِه، قالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ}
---------------
(¬١) انظر: القرطبي (٥/ ٢٨ - ٣١).
(¬٢) البيت لابن عاصم المالكي، وهو أحد أبيات تحفته المسماة: (تحفة الحكام) انظر: البهجة في شرح التحفة (٢/ ٢٩٤)، وهو في الأضواء (٢/ ٢٨١).