كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
يعنِي: ما أرسلتُهم برسالةٍ. وقول الآخَرِ (¬١):
أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولاً ... بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ
[١١/ب] أي: (بني عمرو رسولاً) أي: رسالة. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ/ ومن فوائدِ كونِ الرسولِ أصلُه مصدرٌ تُحل إشكالاتٍ في القرآنِ؛ لأن العربَ إذا نَعَتَتْ بالمصدرِ أَلْزَمَتْهُ الإفرادَ والتذكيرَ (¬٢)، وربما تَنَاسَتِ المصدريةَ فيه وعملت بالوصفيةِ العارضةِ فَجَمَعَتْهُ وَثَنَّتْهُ؛ ولذا جاء الرسولُ مُفْرَدًا في القرآنِ والمرادُ به اثنانِ، وجاء مُفْرَدًا في كلامِ العربِ والمرادُ به جمعٌ نَظَرًا إلى أن أصلَه مصدرٌ.
فإذا قال لك قائلٌ: اللهُ يقولُ عن موسى وهارونَ في سورةِ طه: {إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ} [طه: آية ٤٧] بالتثنيةِ، ويقولُ في القصةِ بِعَيْنِهَا في سورةِ الشعراءِ: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: آية ١٦] بالإفرادِ، ولم يقل: «رسولا رب العالمين».
فالجوابُ: إن الإفرادَ نَظَرًا إلى أصلِ الرسولِ، وأن أصلَه مصدرٌ، والعربُ إذا نَعَتَتْ بمصدرٍ أَلْزَمَتْهُ التذكيرَ، وأن التثنيةَ في قولِه: {رَسُولَا} والجمعُ في قولِه: {تِلْكَ الرُّسُلُ} [البقرة: آية ٢٥٣] نظرًا إلى الوصفيةِ العارضةِ؛ لأن العربَ نَقَلَتْهُ من المصدريةِ فَجَعَلَتْهُ وصفًا؛ ولأجلِ كونِ أصلِه مصدرًا تُطْلِقُهُ العربُ مفردًا وتريدُ به الجمعَ على عادةِ النعتِ بالمصادرِ، ومنه قولُ أَبِي ذؤيبٍ الْهُذَلِيِّ (¬٣):
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (٧٨) من سورة البقرة.
(¬٢) مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الأنعام.
(¬٣) مضى عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنعام.