كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

والوجهُ الثاني: أنهم لقوةِ أجسامِهم وَعِظَمِهَا وَطُولِهَا وبدانتِها قيل فيهم: {ذَاتِ الْعِمَادِ} لشدةِ اعتمادِ أجسامِهم وقوتِها كما يأتي هناك (¬١). وهذا معنَى قولِه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ} [الأعراف: آية ٦٩] أي: في الأرضِ في عافيةٍ وطمأنينةٍ ورفاهيةٍ من الدنيا من بعدِ قومِ نوحٍ. والآيةُ تشيرُ إلى تهديدٍ، يعني: كما أن قومَ نوحٍ لَمَّا كذبوا نُوحًا دمَّرهم اللهُ وأهلكهم، وجعلَكم خلفاءَ في الأرض من بعدِهم فاحذروا أن تفعلوا مثلَ فعلهم؛ لئلا يُهْلِكَكُمْ ويجعلَ خلفاءَ الأرض بعدَكم غيرَكم. فيه تهديدٌ وتذكيرٌ بالنعمةِ. وهذا معنَى قولِه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ}.
وبعضُ علماءِ العربيةِ (¬٢) يقولونَ: (إذ) ها هنا مفعولٌ به لا مفعول فيه. أعني: أنها مفعولٌ وليست ظَرْفًا. والمعنَى: {اذْكُرُوا} تَذَكَّرُوا الوقتَ الذي جَعَلَكُمْ فيه خلفاءَ من بعدِ قومِ نوحٍ تَذَكُّرًا يحملكم على شكرِ نعمةِ اللهِ والخوفِ من نِقَمِه أن يُنْزِلَ بكم مثلَ ما أَنْزَلَ بقومِ نوحٍ. وهذا معنَى قولِه: {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: آية ٦٩] الذين أَهْلَكَهُمُ الطوفانُ إهلاكًا مستأصلاً.
{وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف: آية ٦٩] في هذا الحرفِ قراءتانِ سبعيتان (¬٣): {بصطة} بالصادِ، و {بسطة} بالسينِ. فقولُه: {وزادكم في الخلق بصطة} بالصادِ هي قراءةُ نافعٍ والكسائيِّ، وقراءةُ ابنِ كثيرٍ في روايةِ البزيِّ خاصةً، وقراءةُ عاصمٍ في روايةِ شعبةَ خاصةً، وقراءةُ ابنِ عامرٍ في روايةِ ابنِ ذكوانَ خاصةً. أما حمزةُ
---------------
(¬١) انظر: ابن كثير (٤/ ٥٠٧).
(¬٢) وهو قول الزمخشري في الكشاف (٢/ ٦٩). وانظر: الدر المصون (٥/ ٣٦٠).
(¬٣) انظر: المبسوط لابن مهران ص ١٤٨.

الصفحة 486