كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)} [الأعراف: الآيات ٧٠، ٧٢].
لَمَّا نصحَ نَبِيُّ اللَّهِ هودٌ قومَه هذا النصحَ الكريمَ، وذكَّرهم بآلاءِ اللهِ وَنِعَمَهُ، وأشارَ لهم إلى أن اللهَ أَهْلَكَ مَنْ كان قبلَهم لَمَّا عَصَوْا وتمردوا، وكان قد خَوَّفَهُمْ قبلَ هذا وهددهم بأنهم إن لم يؤمنوا باللهِ أَهْلَكَهُمُ اللهُ وَعَذَّبَهُمْ، قالوا له هذا الجوابَ الخبيثَ الذي هو في غايةِ الخبثِ وبذاءةِ اللسانِ والعتوِّ والتمردِ على اللهِ {قَالُوا} أي: قال: قومُ هودٍ لهودٍ: {أَجِئْتَنَا} يا هودُ بهذه الدعوى التي جئتَ بها، وَالدِّينِ الذي تَزْعُمُ وتدعو إليه لِتَصْرِفَنَا عن آلهتِنا التي كنا نعبدها: {لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} نعبد إِلَهًا واحدًا لا نشرك به شيئًا آخَرَ من الآلهةِ {وَنَذَرَ} أي: ونتركَ {مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من الآلهةِ. فقولُه: {وَنَذَرَ} معناه: نتركَ. وهذا الفعلُ لا يوجدُ منه في العربيةِ إلا مضارعُه وَأَمْرُهُ، تقول: «يَذَرُ الأمرَ» بمعنَى: يتركه، و (ذَرْ) بمعنى: اتْرُكْ. ولا يُستعمل منه في العربيةِ إلا الأمرُ والمضارعُ، فماضيه: (تَرَكَ)، واسمُ فاعلِه: (تارك)، واسمُ مفعولِه: (متروكٌ)، ومصدرُه: (التركُ)؛ لأنه لَا يوجدُ منه إلا الأمرُ والمضارعُ (¬١). فمعنَى {لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} [الأعراف: آية ٧٠] أي: لِنُفْرِدَ خالقَ السماواتِ والأرضِ وحدَه بالعبادةِ: {وَنَذَرَ} أي: ونتركَ {مَا كَانَ} أي: عبادةَ ما كان يعبدُه
---------------
(¬١) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.

الصفحة 491