كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

آباؤُنا من قَبْلِنَا من هذه الآلهةِ والأصنامِ.
وكانت عندَهم أصنامٌ يسمونها، كما دَلَّ عليه قولُه: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا} [الأعراف: آية ٧١] والمؤرخونَ وأهلُ الأخبارِ يزعمونَ أن منها صَنَمًا يُسَمَّى: صداء أو (صمدا)، وَصَنَمًا يُسَمَّى: (صمودا) وصنمًا يُسَمَّى: (الهباء) (¬١). وهم يعبدونَ هذه الأصنامَ ويسمونَها بهذه الأسماءِ.
{أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} هذا إنكارٌ منهم، وهم يُنْكِرُونَ أعظمَ الحقِّ وأوضحِ الْحِجَجِ، وهي توحيدُ رَبِّ العالمين. {وَنَذَرَ} أي: ونتركَ {مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} مِنْ قَبْلِنَا. ثم قالوا له: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} نحنُ لا نُصَدِّقُكَ أبدًا ولا نؤمنُ لكَ أبدًا، فالعذابُ الذي تُهَدِّدُنَا به عَجِّلْ به علينا، فإن كان عندكَ شيءٌ أو صِدْقٌ فَأْتِ بالذي تُهَدِّدُنَا به وَتُخَوِّفُنَا به، إن كنتَ صادقًا في ذلك الوعيدِ فهاتِ العذابَ وَعَجِّلْهُ. وهذا أعظمُ طغيانٍ وَتَمَرُّدٍ، كما قال كفارُ مكةَ: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: آية ٣٢] وقالوا: {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: آية ١٦] فَاسْتَعْجَلُوا بالعذابِ وأظهروا التمردَ النهائيَّ، وأنهم لا يَرْتَدِعُونَ ولا ينكفون عن كفرهم. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} أي: بالذي تَعِدُنَا به من العذابِ، وعذابُ اللهِ لنا في زعمكَ
---------------
(¬١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٢١)، وفي تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٠٧)، «صُداء» و «صمود» و «الهباء». وفي ابن كثير (٢/ ٢٢٥)، كما في الأصل عدا الأخير (الهنا) وهو تحريف كما لا يخفى. وانظر: (تكملة أسماء الأصنام) وهو ملحق في آخر كتاب الأصنام لابن الكلبي ص١١٠، ١١١، وانظر كذلك: الشرك الجاهلي وآلهة العرب المعبودة في الإسلام ص١٤٨ - ١٤٩.

الصفحة 492