كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
إن كنتَ مِنْ جملةِ الصادقين فهاتِ الذي تُهَدِّدُنَا به، تَمَرُّدًا على اللهِ، وتعجيزًا لرسولِه، واستخفافًا بدعوةِ نَبِيِّهِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - فَأُوحِيَ إلى هودٍ في ذلك الوقتِ أن القولَ حَقَّ عليهم، وأن العذابَ وَجَبَ عليهم، وأن اللَّهَ قَضَى أمرَه فيهم فقال - بسببِ ذلك - هودٌ: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف: آية ٧١] جَزَمَ بأنه وقعَ عليهم بالفعلِ؛ لأن [الْمُتَوَقَّعَ كالواقعِ] (¬١)؛ لأن اللهَ حَكَمَ به. ومن أساليبِ اللغةِ العربيةِ: إطلاقُ الفعلِ الماضِي مُرَادًا به المستقبلُ إيذانًا بتحققِ الوقوعِ، وهو كثيرٌ في القرآنِ العظيمِ جِدًّا وفي كلامِ العربِ (¬٢)،
ومنه في القرآنِ: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} يعنِي القيامةَ، بدليلِ: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: آية ١] وَأَكْثَرَ اللَّهُ منه في سورةِ الزمرِ حيث قال: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} إلى قولِه: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} [الزمر: الآيات ٦٩ - ٧٣] كُلُّ هذه الأفعالِ الماضيةِ المذكورةِ في الزمرِ معناها: الاستقبالُ، وإنما عُبِّرَ عنها بالماضِي إيذانًا بتحققِ الوقوعِ.
والرِّجْزُ هنا: العذابُ. قال بعضُ العلماءِ: أصلُه من الارتجازِ، وهو الاضطرابُ؛ لأن الْمُعَذَّبَ يبقى في الاضطرابِ. وهو (رجسٌ) بالسينِ هنا. {رِجْسٌ} أي: عذابٌ. وربما يقالُ للرجسِ: (رجزٌ) بالسينِ والزايِ. ومعناه: العذابُ. والمعنَى: وَقَعَ عليكم عذابٌ وغضبٌ كائنٌ من ربِّكم فمعناه أن اللَّهَ غَضِبَ عليكم، وأنه مُعَذِّبُكُمْ عذابًا مستأصلاً لا مَحَالَةَ.
---------------
(¬١) في الأصل: «الواقع كالمتوقع». وهو سبق لسان.
(¬٢) راجع ما مضى عند تفسير الآية (١٤٨) من سورة الأنعام ..