كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
قال بعضُ العلماءِ: هي من السلطنةِ والقهرِ؛ لأن المتمسكَ بها يقهرُ خصومَه. وقال بعضُ العلماءِ: الأَلِفُ والنونُ فيها زائدتانِ، وأصلُها من السليطِ الذي يُوقَدُ به ضوءُ المصباحِ؛ لأَنَّ الحجةَ الواضحةَ ضوؤها يكشفُ ظلامَ الجهلِ، وهو معروفٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (¬١):
كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا
ثم قال: {فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف: آية ٧١] صيغةُ الأمرِ هنا في قولِه: {فَانْتَظِرُوا} للتهديدِ وقد تَقَرَّر في فَنِّ المعانِي في مبحثِ الإنشاءِ (¬٢)، وفي فَنِّ الأصولِ في مبحثِ الأمرِ (¬٣): أن مِنَ [المعانِي التي تَرِدُ لها صيغةُ:] (¬٤) (افعل) التهديدَ.
{فَانْتَظِرُوا} ومعنَى الانتظارِ: هو التربصُ لشيءٍ يأتِي.
{إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ} أي: أَنْجَيْنَا هودًا وَأَنْجَيْنَا الذين آمنوا مع هودٍ: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} لأنهم مؤمنونَ بنا {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أي: اسْتَأْصَلْنَاهُمْ بالهلاكِ، وذلك الهلاكُ بالريحِ العقيمِ.
ويذكرونَ في قصتِهم أن الريحَ تقلعُ الرجلَ من مكانِه فترفعُه إلى السماءِ كأنه ريشةٌ ثم تُلْقِيهِ في الأرضِ مُنَكَّسًا على رأسِه فينكسرُ
---------------
(¬١) البيت للجعدي، وهو في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٦١)، وفي اللسان (مادة: سلط)، و (مادة: نحس)، جمهرة أشعار العرب للقرشي (١/ ١٣٧)، الكامل للمبرد (١/ ٤٧٧). وصدره في بعض المصادر: «يُضيء كضَوء سِرَاجِ ... ». وفي بعضها: «تُضيءُ كمثلِ سِراجِ الذُّبال».
(¬٢) انظر: الإيضاح للقزويني ص١٤٨.
(¬٣) مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
(¬٤) في الأصل: «صيغ».