كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)

وهو في غيبةٍ عن رُشْدِهِ من شوقٍ أو وَلَهٍ أو نحوِ ذلك، ثم يراجعُه رُشْدُهُ، وينفِي الأمرَ للأولِ الذي كان كَذِبًا ويأتِي بالحقِّ (¬١)، ويمثلونَ له بقولِ زهيرٍ (¬٢):
قِفْ بِالدِّيَارِ الَّتِي لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ ... بَلَى وَغَيَّرَهَا الأَرْوَاحُ وَالدِّيَمُ

يزعمونَ أن زُهَيْرًا قال: «لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ» لَمَّا رأى دارَ المحبوبِ خَامَرَهُ الشوقُ والحبُّ حتى طاش عقلُه، فَعَبَّرَ بغيرِ الواقعِ، ثم رَاجَعَهُ عقلُه فَرَجَعَ للصوابِ، وأن الخليلَ يقولُ: إن بيتَ الأخطلِ من هذا القبيلِ، وسيبويه (رحمه الله) يقولُ: إنه حُذِفَتْ فيه همزةُ الاستفهامِ.
وحذفُ همزةِ الاستفهامِ مع ذِكْرِ الجوابِ، وعدمُ ذِكْرِ الجوابِ، ومع (أَمْ) ودونَ (أَمْ) كثيرٌ في اللغةِ العربيةِ عِنْدَ مَنْ تَتَبَّعَهَا (¬٣)، فَمِنْهُ دونَ (أَمْ) ودونَ ذِكْرِ الجوابِ، كقولِ الكميتِ (¬٤):
طَرِبْتُ وَمَا شَوْقًا إِلَى الْبِيضِ أَطْربُ ... وَلَا لَعِبًا مِنِّي وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ

يعني: أَوَ ذو الشيبِ يلعبُ؟ فَحَذَفَ همزةَ الاستفهامِ، دون (أَمْ) ودونَ ذِكْرِ الجوابِ، ومنه قولُ خويلدٍ الهذليِّ (¬٥):
رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ... فَقُلْتُ - وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ - هُمُ هُمُ
يعنِي: أَهُمْ هُمْ؟ كما هو التحقيقُ. ومنه مع ذِكْرِ الْجَوَابِ قولُ
---------------
(¬١) انظر: الصناعتين للعسكري ص٤٤٣، علوم البلاغة للمراغي ص٣٢٧.
(¬٢) البيت في ديوانه ص٩٠.
(¬٣) مضى عند تفسير الآية (٧٦) من سورة الأنعام.
(¬٤) السابق.
(¬٥) السابق.

الصفحة 545