كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
هنا فيه إشكالاً معروفًا وسؤلاً مشهورًا عند العلماء؛ لأن طالب العلم يقول: كيف يقول: {أَهْلَكْنَاهَا} ثم يقول عقبه {فَجَاءهَا بَأْسُنَا} فكأن البأس لم يأتها إلا بعد أن أُهلكت، والواقع خلافه؛ لأن البأس جاءها وهو إهلاكها. فهذا وجه السؤال.
والجواب عنه للعلماء من أوجه معروفة مشهورة في التفسير:
أحدها: أن الكلام على حذف الإرادة. أي: أردنا إهلاكها بإرادتنا المُصَمِّمَة الأزلية، فنفذنا ذلك، فجاءها بأسنا، وحَذْفُ فعل الإرادة كثير في القرآن جدّاً، كقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} أي: أردت أن تقرأ القرآن {فَاسْتَعِذْ بِالله} [النحل: آية ٩٨] {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} [المائدة: آية ٦] أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا. وحَذْفُ فعل الإرادة معروف في القرآن وفي كلام العرب.
الثاني: أن المراد بقوله: {أَهْلَكْنَاهَا} يعني: حكمنا بإهلاكها. يعني: في سابق أزلنا؛ أي: حكمنا عليها بالإهلاك، وجعلناه قدراً مقدوراً محكوماً به، فجاءها تنفيذاً لذلك القدر {بَأْسُنَا}. وهو قريب من الأول.
[الثالث] (¬١): أن معنى {أَهْلَكْنَاهَا} أن الإهلاك -والعياذ بالله- هو الخذلان؛ أي: خذلناها وأضْلَلْنَاهَا فلم تتبع ما أنزل الله، ومن خذله الله ولم يوفِّقْهُ فهو الهالك، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور إنه ترك أمَّتَهُ على المحَجَّةِ الْبَيْضَاء، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَاّ هَالِك (¬٢). فسمى الزائغ عن الطريق: هالكاً، فمعنى:
---------------
(¬١) في الأصل: «الثاني» وهو سبق لسان.
(¬٢) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، ولفظه: ((تركتكم على البيضاء))، وفي رواية: ((على مثل البيضاء)). وبنحوه من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. أخرجه أحمد (٤/ ١٢٦، ١٢٧)، والدارمي (١/ ٤٣)، وأبو داود في السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم: (٤٥٨٣) (٢/ ٣٥٨)، والترمذي في العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع. حديث رقم: (٢٦٧٦)، (٥/ ٤٤)، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، حديث رقم: (٤٢، ٤٣، ٤٤)، (١/ ١٥ - ١٧)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٧ - ٢٠)، والمروزي في السنة ص٢٦ - ٢٧، وابن حبان (كما في الإحسان ١/ ١٠٤)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٤٦ - ٢٤٨)، والآجري في الشريعة ص٤٦ - ٤٧، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٥ - ٩٧)، وفي المدخل إلى الصحيح ص٧٩ - ٨١، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٢٢، ٧٤ - ٧٦) وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١١٤)، وفي الاعتقاد ص١١٣، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١١٦٣ - ١١٦٤)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢٠٥).