كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 3)
أمَّا المعتزلة فقد قالوا: إن الميزان لا حقيقة له، وإنما المراد بالوزن: العدالة في الجزاء، قالوا: وهذا معروف في كلام العرب، يقولون: هذا الكلام يوازن هذا الكلام، وهذا الرجل يوازن هذا الرجل. والميزان معناه: القسط التام والعدالة، وأن لا يُظلم إنسان شيئاً. قالوا: وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (¬١):
قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا قُوَّةٍ ... عِنْدِي لِكُلِّ مُخَاصِمٍ مِيزَانُهْ
أي: ما يوازن كلامه وحجته. ومع الأسف قد سبق المعتزلة لهذا القول مجاهد، والضحاك، والأعمش (¬٢)!! وهو قول باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة كما ذكرنا.
وإن كان الوزن يطلق على العدل، إلا أن الأحاديث النبوية، وظواهر القرآن العظيمة، وسائر المسلمين -إلا من شذّ- كلها متفقة على أنه ميزان حقيقي له لسان وكفتان كما ذكرنا، والأحاديث بمثله كثيرة لا ينكرها إلا مكابر، وهو الحق الصحيح إن شاء الله، وهذا معنى قوله: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف: آية ٨].
متعلَّق (الوزن) هنا محذوف، و (الوزن) مصدر (وَزَنَ، يَزنُ، زِنَةً، ووزناً)، كوعد، يَعِدُ، عِدَةً، ووَعْداً، ووَصَلَ، يَصِل، صِلَةً،
---------------
(¬١) البيت في اللسان (مادة: وزن) (٣/ ٩٢١)، وفيه (مِرَّة) بدل (قوة).
(¬٢) انظر: قول مجاهد في ابن جرير (١٢/ ٣٠٩)، (٣١١)، (٣١٥)، البغوي (٢/ ١٤٩)، الدر المنثور (٣/ ٦٩)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم، وعزاه إليه القرطبي وإلى الضحاك والأعمش. انظر: الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥)، التذكرة ص٣١٣، البحر المحيط (٤/ ٢٧٠)، ولعل نسبته إلى الأعمش والضحاك لا تصح، والله أعلم.