كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 4)
وقوله: {فَلَمَّا أَفَاقَ} أي: نبي الله موسى أفاق من غشيته قال: {سُبْحَانَكَ} (سبحان) كلمة تدل على التنزيه. معناه: تنزيهًا لك عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك (¬١)، وهذه الكلمة أعربها الشيخ سيبويه بأنها مصدر منصوب بفعل يُحذف دائمًا (¬٢)، أي: أُسبحك سبحانك. أي: تسبيحًا أنزهك عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك. ولفظة (سبحان) ملازمة للإضافة إلى المفرد، وسُمع نادرًا إتيانها غير مضافة، ومنه قول الأعشى: في شعره بالمنافرة بين علقمة بن عُلاثة وعامر بن الطفيل المشهورة (¬٣):
فَقُلْتُ لمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ
وهذا معنى قوله: {سُبْحَانَكَ} أي: تنزيهًا لك عما لا يليق بكمالك وجلالك، ومن ذلك أن يَتَحَمَّلَ أحد رؤيتك في دار الدنيا، فإن عَظَمَتَكَ تدكّ الجبال.
وقال بعضهم: قوله: {تُبْتُ إِلَيْكَ} لأن موسى تجرّأ على سؤال الرؤية من غير إذن (¬٤)، وقد كان يظن أن قدرته تتحملها، فالذي جهله موسى هو مدى قدرة نفسه، أما ما يجوز في الله وما يستحيل فلا يجهله نبي الله موسى كما هو معروف.
{تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} قرأ هذا الحرف عامّة القراء غير نافع: {تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} من
---------------
(¬١) انظر: الدر المصون (٥/ ٢٦٥).
(¬٢) الكتاب (١/ ٣٢٢ - ٣٢٧).
(¬٣) ديوان الأعشى ص٩٣، وأوله: «أقول ... ».
(¬٤) انظر: القرطبي (٧/ ٢٧٩).