كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 4)
العرب، ومنه قول عمرو بن الفضفاض الجهني (¬١):
لَا تَجْهَمينَا أُمَّ عَمْرٍو فَإِنَّمَا ... بِنَا دَاءُ ظَبْيٍ لمْ تخُنْهُ عوامِلُه
ومن هذا المعنى قول مسلم بن الوليد الأنصاري، وإن كان شعره يصلح مثالاً لا شاهدًا لتأخر وقته (¬٢):
شَكَوْتُ إِلَيْهَا حُبَّهَا فَتَبَسَّمَتْ ... ولَمْ أَرَ شَمْسًا قَبلَهَا تَتَبَسَّمُ ...
فَقُلْتُ لهَا جُودِي فأَبْدتْ تَجَهُّمًا ... لِتَقْتُلَنِي يَا حُسْنها إذ تَجَهَّمُ
وهذا معنى قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا} أي: خلقنا {لِجَهَنَّمَ} أي: لصيرورتهم إلى النار يوم القيامة {كَثِيرًا} خلقًا كثيرًا {مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} لأن الجن يدخلون النار بلا خلاف إذا عصوا الله كما قالوا: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)} [الأحقاف: آية ٣١] ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل للإنس والجن، وأن كفار الجن يدخلون النَّار، وإنما اختلفوا في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة أو لا يدخلونها (¬٣)؟ فشَذَّ قوم وقالوا: إن المؤمنين من الجِنِّ لا يدخلون الجنة وإنما جزاؤهم الإجارة من النار، واستدلوا لهذا بدليل لا ينهض، وهو ظاهر قوله تعالى: {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} قالوا: دلت الآية على أن إجابتهم داعي الله والإيمان به إنما ينالون منها غفران الذنوب والإجارة من العذاب دون دخول الجنة. والظاهر أن المؤمنين من
---------------
(¬١) البيت في اللسان (مادة: جهم) (١/ ٥٢٤)، الأضواء (٢/ ٤٧٣).
(¬٢) البيتان في ديوانه ص١٤٣، وهما في الأضواء (٢/ ٤٧٣).
(¬٣) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأعراف.