كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 4)
فإذا كان الإنسان لا ينتفع بسمعه انتفاعًا صحيحًا يقولون: «هذا أصم» وهو يسمع. وهذا أسلوب معروف في كلامهم، ومنه قول قَعنب بن أم صاحب (¬١):
صُمٌّ إذا سَمعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ به ... وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عنْدهُم أذِنوا
فقال: «صُمٌّ إذا سمعوا» فصرح بأنهمْ صمٌ، وأنهمْ يسمعون؛ لأنَّ ذلك السماع الذي لمْ تترتب عليه فائدة حكمه حكم الصمم، ومنه قول الآخر (¬٢):
أَصَمُّ عنِ الأَمْرِ الذي لا أُرِيدُهُ ... وأسْمَعُ خَلقِ اللهِ حينَ أُريدُ
وقول الآخر (¬٣):
قُلْ ما بَدى لك من زورٍ ومن كَذِب ... حِلْمِيْ أَصَمّ وأُذني غير صَمَّاء
وقول الآخر (¬٤):
فأَصْمَمْتُ عَمْرًا وأَعْمَيْتُهُ ... عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يومَ الفَخَارِ
وهذا أسلوب معروف مطروق في كلام العرب، نزل به القرآن؛ لأنه بلسان عربي مبين. وهذا معنى قوله: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا} الآذان: جمع أُذن. والأعين: جمع عين، وجمعهما على (أَفْعُلٌ) و (أفعال) ليس للقلة.
---------------
(¬١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأنعام.
(¬٢) البيت في شواهد الكشاف ص٢٦، وأوله: «أصم عن الشيء ... ».
(¬٣) مضى عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأنعام.
(¬٤) البيت في الخصائص (٣/ ٢٥٤)، شواهد الكشاف ص٤٠. وشطره الثاني هكذا: «عن الفخر والجود ... ».