كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
الجزيةُ؛ لأنها بقيت دَيْنًا فيه، فهي كسائرِ الديونِ، إلا أنه عند أدائِها يُؤَدِّيهَا غيرَ صاغرٍ ولا مُهَانٍ؛ لأَجْلِ إسلامِه، ولكنها تَقَرَّرَتْ في ذمتِه.
واختلف العلماءُ: في القَدْرِ الذي يُؤْخَذُ من أهلِ الجزيةِ (¬١)، وَمِمَّنْ تُؤْخَذُ الجزيةُ (¬٢)؟ فقال جماعةٌ من العلماءِ: تُؤْخَذُ الجزيةُ من كُلِّ كتابيٍّ عَجَمِيًّا كان أو عَرَبِيًّا، والجزيةُ بالأديانِ لَا بالأنسابِ. وهذا القولُ هو الصحيحُ والأظهرُ.
وقال بعضُ العلماءِ: تُؤْخَذُ من مُشْرِكِي العجمِ ولا تُؤْخَذُ من مشركِي العربِ. وهو قولُ أبِي حنيفةَ رحمه الله (¬٣).
والحقُّ أن الجزيةَ تُؤْخَذُ من كُلِّ كتابيٍّ عربيًّا كان أو غيرَه، وقد أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مُعَاذًا لَمَّا أرسلَه إلى اليمنِ أن يأخذَ من كُلِّ حالمٍ من كفارِ أهلِ اليمنِ - أهلِ الكتابِ - الذين لم يُسْلِمُوا أن يأخذَ من كُلِّ حالمٍ دينارًا منهم (¬٤).
وبعثَ خالدَ بنَ الوليدِ إلى أُكَيْدَر فَأَخَذَ من أُكيدر
---------------
(¬١) انظر: بدائع الصنائع (٧/ ١١ - ١١٢)، المغني (١٣/ ٢١١ - ٢١٢)، القرطبي (٨/ ١١١)، أحكام أهل الذمة (١/ ٢٦).
(¬٢) انظر: الأم (٤/ ٢٤٠، ٢٨١)، القرطبي (٨/ ١١٠)، المغني (١٣/ ٢٠٢) فما بعدها، أحكام أهل الذمة (١/ ١) فما بعدها.
(¬٣) انظر: المدونة (٢/ ٤٦ - ٤٧)، بدائع الصنائع (٧/ ١١٠ - ١١١)، المغني (١٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧، ٢٠٨).
(¬٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٠، ٢٣٣، ٢٤٠، ٢٤٧)، وعبد الرزاق (٤/ ٢١)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٢٦ - ١٢٧)، والترمذي في الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر. حديث رقم: (٦٢٣) (٣/ ١١) وقال: «هذا حديث حسن. وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق أن النبي ... وهذا أصح» ا. هـ. وأبو داود في الزكاة، باب في زكاة السائمة. حديث رقم: (١٥٦١ - ١٥٦٢) (٤/ ٤٥٧) وفي الإمارة، باب في أخذ الجزية. حديث رقم: (٣٠٢٢، ٣٠٢٣) (٨/ ٢٨٧)، وابن ماجه في الزكاة، باب صدقة البقر. حديث رقم: (١٨٠٣) (١/ ٥٧٦)، والنسائي في الزكاة باب زكاة البقر. حديث رقم: (٢٤٥٠ - ٢٤٥٢) (٥/ ٢٥ - ٢٦)، والحاكم (١/ ٣٩٨)، والبيهقي (٤/ ٩٨)، (٩/ ١٩٣)، وابن خزيمة (٤/ ١٩)، وابن حبان (الإحسان ٧/ ١٩٥). وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٧٥): «إسناده متصل صحيح ثابت» اهـ.
وانظر: التلخيص (٢/ ١٥٢)، الإرواء (٧٩٥)، صحيح أبي داود (٢/ ٥٨٩)، صحيح ابن ماجه (١/ ٣٠٢).