كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
النبيِّ لغنائمِ حنينٍ، قال ذلك فيه، وهذه الآيةُ يُصَرِّحُ اللَّهُ فيها بأنهم لَمَزُوهُ في قسمِ الصدقاتِ وهي الزكواتُ والصدقاتُ غير الغنائم (¬١)،
فالأظهرُ أن الأصوبَ فيها هو ما قاله ابنُ جريجٍ (رحمه الله) وغيرُه أنها نَزَلَتْ في رجلٍ من الأنصارِ من المنافقينَ حَضَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَسِّمُ مالاً من الصدقاتِ فقال: يا نَبِيَّ اللَّهِ، اعْدِلْ فإنك لم تَعْدِلْ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ فيه (¬٢).
وهذه الآياتُ من سورةِ براءة يُبَيِّنُ اللَّهُ فيها أصنافًا مِنَ المنافقينَ يقولُ: ومنهم مَنْ هو كذا، ومنهم مَنْ هو كذا، كما تَقَدَّمَ في قولِه: {وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة: آية ٤٩] وقال هنا: {وَمِنْهُم مَّنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} وسيأتِي قولُه: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ
---------------
(¬١) الذي يظهر أنهما واقعتان متشابهتان:
الأولى: في قسم غنائم حنين، وذلك في الجعرانة حيث قال له رجل: «يا محمد اعدل» كما في حديث جابر (رضي الله عنه) عند البخاري (٣١٣٨) ومسلم (١٠٦٣).
الثانية: في قَسْمِ ذُهيبة بعث بها علي (رضي الله عنه) من اليمن والنبيُّ صلى الله عليه وسلم في المدينة. وقد قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر، فقال رجل: يا رسول الله: اتق الله ... الحديث. كما في حديث أبي سعيد الذي تقدم تخريجه قريبًا. وقد جاء في بعض الروايات عند البخاري ومسلم التصريح باسمه وهو ذو الخويصرة التميمي. وكذا في رواية ابن جرير (١٤/ ٣٠٣) والواحدي في أسباب النزول ص٢٤٩، وفيهما أيضًا التصريح بأن هذه الحادثة كانت سبب نزول الآية.
قال الحافظ في الفتح (٨/ ٦٨): «تنبيه: هذه القصة غير القصة المتقدمة في غزوة حنين ووهم من خلطها بها» اهـ.
وقال في (١٢/ ٢٩٣) «وقد ظهر أن المعترض في الموضعين واحد» اهـ.
(¬٢) أخرجه ابن جرير (١٤/ ٣٠٢) وقد رواه ابن جريج عن داود بن أبي عاصم، ولا يخفى أن هذا له حكم الإرسال.