كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

وقال بعضُ العلماءِ: هذه أصلُها فارسيةٌ مُعَرَّبةٌ، وزعم مَنْ قال هذا؛ أن في الفارسية القديمةِ (كَهَنَّام) (¬١) يطلقُ على النارِ، وأن العربَ عرَّبتها وأبدلت كافَها جيمًا فقالت فيها: (جهنم) (¬٢)، والله تعالى أعلم.

وهذا معنَى قولِه: {نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} أي [مَاكِثِينَ] (¬٣) فيها على الدوامِ {خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ}، أي: مقدِّرين الخلودَ فيها على الدوامِ {هِيَ حَسْبُهُمْ} أي: كفايتُهم من العقابِ. معناه: أن الجرائمَ التي ارتكبوها إذا جُوزُوا بالنارِ ففي النارِ كفايةٌ تامةٌ لجزاءِ ذلك السوءِ الذي ارْتَكَبُوهُ؛ لأنها جزاءٌ فظيعٌ {جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)} [النبأ: الآية ٢٦] فَمَنْ عُذِّبَ بالنارِ فقد جُوزِيَ جزاءً بالغًا وافيًا وهو حَسْبُهُ: أي يكفيه؛ لأنه لَا جزاءَ أعظم منه ولا أشد، وهذا معنَى قولِه: {هِيَ حَسْبُهُمْ}.
{وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ} أي: طَرَدَهُمْ وأبعدَهم عن رحمتِه. واللعنُ في لغةِ العربِ التي نَزَلَ بها القرآنُ: معناه الطردُ والإبعادُ (¬٤)، فالرجلُ إذا كان صاحبَ جناياتٍ: قَتَلَ مِنْ هؤلاء، وَقَتَلَ مِنْ هؤلاء، وَخَافَ قومُه أن يَجُرَّ لهم حروبَ القبائلِ وذحولَ الدماءِ (¬٥)، إذا تبرؤوا منه، وأعلنوا البراءةَ منه، وَطَرَدُوهُ وأبعدوه سُمِّيَ رَجُلاً لَعِينًا؛ لأن قومَه
---------------
(¬١) وبعضهم يضبطها بكسر الكاف والهاء.
(¬٢) السابق.
(¬٣) في الأصل: "ماكثًا" وذلك أن الشيخ (رحمه الله) ذهب إلى قوله تعالى: {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا} فجرى التعديل.
(¬٤) تقدم في الأعراف عند تفسير الآية (٤٤).
(¬٥) أي: ثارات الدماء. انظر: القاموس (فصل الذال من باب اللام) ص١٢٩٤.

الصفحة 625