كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
مَحَلِّ نصبٍ على أن المعنَى: فَعَلْتُمْ {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أي: كفعلِ الذين مِنْ قبلِكم فسينزلُ بكم من العقوباتِ مثلُ ما نَزَلَ بهم. واختارَ بعضُ الْمُحَقِّقِينَ من العلماءِ أن الكافَ في مَحَلِّ رفعٍ. والمعنَى: أنتم أيها الكفرةُ والمنافقونَ كالذين كانوا مِنْ قبلكم، أنتم مثلُهم، كقولِه: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [آل عمران: الآية ١١] أنتم كالذين مِنْ قبلكم كفروا وتمتعوا بخلاقِهم في الدنيا، وَآثَرُوا الدنيا على الآخرةِ، وَتَمَرَّدُوا على اللَّهِ وَكَذَّبُوا رسلَه، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بهم نِقَمَهُ في الدنيا، وَعَذَّبَهُمْ العذابَ الأبديَّ في الآخرةِ. {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وهؤلاء الذين مِنْ قبلهم سيأتِي إيضاحُ إجمالِهم في قولِه بعدَ هذا: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} إلى آخِرِ المذكوراتِ الآتيةِ.
{كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً} {قُوَّةً} تمييزٌ محولٌ عن الفاعلِ، ومعلومٌ أن فاعلَ صيغةِ التفضيلِ قد يكونُ تمييزًا كثيرًا محولاً عن الفاعلِ (¬١)، أي: {كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً} لقوةِ أبدانِهم وعتادِهم وكثرةِ أموالِهم.
{وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً} منكم وأكثرَ أولادًا. {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ} وَكَذَّبُوا الرسلَ وَآثَرُوا الحياةَ الدنيا على الآخرةِ فأهلكناهم.
والخلاقُ في لغةِ العربِ: النصيبُ (¬٢). يعنِي: اسْتَمْتَعُوا بنصيبِهم في الدنيا مُؤْثِرِينَ الدنيا على الآخرةِ، مُغْتَرِّينَ بزخارفِ
---------------
(¬١) انظر: التوضيح والتكميل (١/ ٤٩٧).
(¬٢) انظر: المفردات (مادة: خلق) ص٢٩٧.
الصفحة 628