كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

والخوضُ لا تكادُ العربُ تُطْلِقُهُ إلَاّ على الخوضِ في الباطلِ (¬١). وأصلُه الخوضُ في الماءِ؛ لأن الخائضَ في الماءِ يتخبطُ فيه بغيرِ انتظامٍ، ليس كالماشِي على الأرضِ.
ثم قال: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أَيْ: بَطَلَتْ وَاضْمَحَلَّتْ في الدنيا حيثُ لم يكن مُعْتَدًّا بها عند الله، وكذلك هي باطلةٌ في الآخرةِ، وعكسُ هذا قولُه في إبراهيمَ: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)} [العنكبوت: الآية ٢٧].
وقد قَدَّمْنَا انتفاعَ الكفارِ بأعمالِهم فِي الدنيا خاصةً (¬٢)، وأن ذلك مُقَيَّدٌ بمشيئةِ اللَّهِ كما دَلَّ عليه قولُه: {مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء: الآية ١٨].
وقولُه: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي: بَطَلَتْ وَاضْمَحَلَّتْ حتى لَا يظهرَ لها أثرٌ ينتفعون به يومَ القيامةِ. قال بعضُ العلماءِ: أصلُ اشتقاقِ {حَبِطَتْ} من الْحَبَطِ بفتحتينِ، وهو نَبْتٌ في الباديةِ إذا أَكَلَتْهُ الدوابُّ انتفخت بطونُها فماتت (¬٣)، كانوا يقولون: «حبطت الماشيةُ» إذا أَكَلَتِ الحَبَطَ فَهَلَكَتْ، وصارت العربُ تستعملُه في الهلاكِ حتى كان أغلبُ استعمالِه في هلاكِ الأعمالِ واضمحلالِها وعدمِ الاعتدادِ بها.
---------------
(¬١) انظر: المفردات (مادة: خوض) ص٣٠٢.
(¬٢) راجع كلام الشيخ (رحمه الله) على هذه المسألة في الأضواء (٣/ ٤٩٣)، دفع إيهام الاضطراب ص١٥١، معارج الصعود إلى تفسير سورة هود ص٦٩.
(¬٣) انظر: المفردات (مادة: حبط) ص٢١٦، معارج الصعود إلى تفسير سورة هود ص٧١.

الصفحة 632