كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
في آياتٍ، كقولِه في سورةِ هودٍ فيهم: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: ٩٤] وهم مدينُ بِلَا نزاعٍ {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)} [هود: الآيتان ٩٤، ٩٥] والآياتُ في مثلِ هذا معروفةٌ، وهذا معنَى قولِه: {وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ}.
{وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} المؤتفكاتُ: هي قُرَى قومِ لوطٍ، وهي المذكورةُ في قولِه: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} [النجم: الآية ٥٣] وقد قدَّمنا (¬١) أن (الأفكَ) في لغةِ العربِ معناه قلبُ الشيءِ، وسُمِّيَ أسوأُ الكذبِ إِفْكًا لأنه قَلْبٌ للحقيقةِ عَنْ وَجْهِهَا الصحيحِ إلى وجهِها الباطلِ، وإنما قيل لِقُرَى قومِه {الْمُؤْتَفِكَاتِ} وَسُمِّيَتِ (المُؤْتَفَكَةَ) لأَنَّ جبريلَ - عليه السلامُ - أَفِكَهَا أي قَلَبَهَا حيث اقْتَلَعَهَا من الأرضِ وَرَفَعَهَا إلى السماءِ، وَجَعَلَ أعلاها أسفلَها، فمعنَى ائتفاكِها أَوْضَحَهُ اللَّهُ بقولِه: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [الحجر: الآية ٧٤] فما جُعِلَ عاليه سافلَه فقد أُفِكَ {وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} أي: المجعول أعلَاها أسفلَها؛ لأن الْمَلَكَ قَلَبَهَا، كما صَرَّحَ به بقولِه: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} وهذا معنَى قولِه: {وَالْمُؤْتَفِكَاتِ}.
{أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} ورسلُهم معروفون، فكذَّبوا الرسلَ فأهلكَهم اللَّهُ ودمرَهم بالإهلاكِ المستأصلِ، وعذبَّهم في الآخرةِ.
{فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} هذه اللامُ هي التي يُسَمِّيهَا علماءُ العربيةِ (لامَ الجحودِ)، وهي بعدَ الكونِ المنفيِّ خاصةً، والمضارعُ
---------------
(¬١) راجع تفسير الآية (٨٠، ١١٧) من سورة الأعراف، والآية (٥٤) من سورة الأنفال، والآية (٣٠) من سورة التوبة.
الصفحة 640