وأيضاً: فهي نفسها فيها من بينات الأدلة والبراهين ما يُبيّن الحق؛ فهي آيات من وجوه متعددة.
ثم قال: {وَيُعَلّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ} 1، وهذا لمن يعلم ذلك منهم، وقد يتعلم الشخص منهم بعض الكتاب والحكمة. فالكتاب: هو الكلام المنزل الذي يكتب، والحكمة: هي السنة؛ وهي معرفة الدين والعمل به2. وقد قال تعالى: {وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} 3، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوَاً} 4؛ ففرّق بين الآيات الدالة على العلم؛ التي يعلم بالعقل أنها دلائل للرب، وبين النذر؛ وهو الإخبار عن المخوف؛ كإخبار الأنبياء بما يستحقه العصاة من العذاب؛ فهذا يعلم بالخبر والنذر؛ ولهذا قال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} 5.
__________
1 جزء من آيات متعددة في عدّة سور، منها: الآية 129 في سورة البقرة.
2 سئل الإمام مالك رحمه الله عن الحكمة، فقال: المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له. انظر: تفسير الطبري 1557. وانظر: تفسير ابن كثير 1184.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "قال غير واحد من السلف في مسمى الحكمة كما قال مالك بن أنس: "الحكمة معرفة الدين والعمل به"، وكذلك قال الفضيل بن عياض، وابن قتيبة، وغير واحد من السلف.
قال الشاعر:
وكيف يصحّ أن تُدعى حكيماً ... وأنت لكلّ ما تهوى ركوب
وقال آخر:
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهت عنه، فأنت حكيم
درء تعارض العقل والنقل 922-23. وانظر كتاب الصفدية 2325. والرد على المنطقيين ص 447.
3 سورة يونس، الآية 101.
4 سورة الكهف، الآية 56.
5 سورة الإسراء، الآية 15.