هُو بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيم فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} 1.
ولمّا كانت الأنبياء مؤيدة بالملائكة، والسحرة والكهان تقترن بهم الشياطين، كان من الفروق التي بينهم: الفروق التي بين الملائكة والشياطين.
النبوة عند المتفلسفة
والمتفلسفة الذين لم يعرفوا الملائكة والجن؛ كابن سينا وأمثاله، ظنّوا أنّ هذه الخوارق من قوى النفس، قالوا: والفرق بين النبيّ والساحر: أنّ النبيّ يأمر بالخير، والساحر يأمر بالشر2. وجعلوا ما يحصل [للممرور] 3 من هذا الجنس؛ إذ لم يعرفوا صرع الجنّ للإنسان، وأنّ الجني يتكلم على لسان الإنسان، كما قد عرف ذلك الخاصة [والعامة] 4، وعرفه علماء الأمة وأئمتها؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع5.
__________
1 سورة التكوير، الآيات 19-26.
2 انظر: كتاب الصفدية 1143. وشرح الأصفهانية 2504. والرد على المنطقيين ص 322.
وقد سبق أن تكلم شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الكتاب عن موقف الفلاسفة من النبوة. انظر ص 609-612، 730-735، 834-844، 856.
3 في ((ط)) : للمرورن.
وقد تقدم التعريف به ص 836.
4 في ((ط)) : (والعام ة) .
5 بل إنّ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يُقرّر هذه القضية، ويردّ على من يُنكر دخول الجنّ في الإنسان في مواضع عديدة من كتبه، فمن ذلك قوله: "وجود الجنّ ثابت، بكتاب الله وسنة رسوله، واتفاق سلف الأمة وأئمتها. وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابتٌ باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة؛ قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ... } . وفي الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي إنّ أقواماً يقولون: إنّ الجني لا يدخل في بدن المصروع. فقال: يا بنيّ يكذبون، هذا يتكلّم على لسانه.
وهذا الذي قاله أمرٌ مشهور؛ فإنّه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضرباً عظيماً، لو ضُرب به جمل لأثّر به أثراً عظيماً. والمصروع مع هذا لا يحسّ بالضرب، ولا بالكلام الذي يقوله. وقد يجر المصروع، وغير المصروع، ويجر البساط الذي يجلس عليه ويُحول الآلات، وينقل من مكان إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علماً ضرورياً بأن الناطق على لسان الإنسي والمحرّك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان. وليس في أئمة المسلمين من يُنكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادّعى أنّ الشرع يكذب ذلك، فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما يُنافي ذلك". مجموع الفتاوى 24276-277.
ويقول رحمه الله عن صرع الجنّ للإنس: (وهذا أمر قد باشرناه نحن وغيرنا غير مرة، ولنا في ذلك من العلوم الحسيات رؤية وسماعاً ما لا يمكن معه الشك) . كتاب الصفدية 1181.
أمّا من يُنكر ذلك، فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنّهم طائفة من المعتزلة، فقال رحمه الله: " ... ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي، وأبي بكر الرازي، وغيرهما دخول الجنّ في بدن المصروع، ولم ينكروا وجود الجنّ؛ إذ لم يكن ظهور هذا في المنقول عن الرسول كظهور هذا، وإن كانوا مخطئين في ذلك. ولهذا ذكر الأشعري في مقالات أهل السنة والجماعة أنهم يقولون إن الجني يدخل في بدن المصروع؛ كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} ... " مجموع الفتاوى 1912.
وممن أنكر صرع الجنّ للإنس: ابن حزم. انظر كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل 59. والأصول والفروع له ص 135-137) .
وانظر عن أسباب صرع الجن في مجموع الفتاوى 1382.
ولشيخ الإسلام رحمه الله رسالة اسمها: (إيضاح الدلالة في عموم الرسالة) يتكلّم فيها عن الجنّ وإبطال أحوالهم، وكيفية دفعهم. ويتحدث فيها الشيخ رحمه الله عن تجاربه في إخراج الجن من بدن الإنسان مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين. انظر: مجموع الفتاوى 199-56. وانظر 11293، و24276-282 وكتاب الصفدية 16-7.
ويُحدّثنا الإمام ابن القيم عن مشاهداته لشيخه - رحمهما الله، فيقول: "شاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يُخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ اخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع ولا يحس بألم. وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مراراً. وكان كثيراً ما يقرأ في أذن المصروع: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون، الآية 115] . وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم. ومدّ بها صوته. قال: فأخذت له عصا، وضربته بها في عروق عنقه، حتى كلّت يداي من الضرب، ولم يشك الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب، ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبه، فقلت لها: هو لا يُحبّك. قالت: أنا أُريد أن أحُجّ به، فقلت لها: هو لا يُريد أن يحجّ معك. فقالت: أنا أدعه كرامة لك. قال: قلت: لا، ولكن طاعة لله ولرسوله. قالت: فأنا أخرج منه. قال: فقعد المصروع يلتفت يميناً وشمالاً، وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضرب كله؟ فقال: وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أُذنب. ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة. وكان يُعالج بآية الكرسيّ، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها، وبقراءة المعوذتين. وبالجملة: فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا يُنكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة ... ". زاد المعاد 468-69.
ولسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله رسالة مطبوعة، اسمها: (إيضاح الحق في دخول الجني في الإنسي، والرد على من أنكر ذلك) .