كتاب النبوات لابن تيمية (اسم الجزء: 2)

قال الفراء1: أصله من دأبت، إلا أن العرب حوّلت معناه إلى الشأن2.
قلت: الزَّجَّاج جعل ما في القرآن من الدأب، الذي هو الاجتهاد3. والصواب: ما قاله الجمهور؛ أنَّ الدأب - بالتسكين -: هو العادة، وهو غير الدأب بالتحريك؛ إذا زاد اللفظ زاد المعنى، والذي في القرآن مُسَكَّنٌ، ما علمنا أحداً قرأه بالتحريك، وهذا معروف في اللغة؛ يقال: فلانٌ دَأْبُهُ كذا وكذا: أي هذا عادته وعمله اللازم له، وإن لم يكن في ذلك تعبٌ واجتهاد، ومنه قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَائِبَيْنِ} 4، والدائب نظير الدائم، والباء والميم متقاربتان؛ ومنه: اللازب واللازم. قال ابن عطية5: "دائبين، أي: متماديين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الجمل الذي بكى وأجهش إليه: "إنَّ هذا الجمل شكى إلي أنك تُجيعه وتُدئبُه6"7؛ أي
__________
1 هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي، مولاهم الكوفي، النحوي العلامة، صاحب التصانيف، أبو زكريا. له مشاركات في علوم كثيرة. توفي سنة 207 ?. انظر: سير أعلام النبلاء 10118-121. والبداية والنهاية 10261. وتهذيب التهذيب 11212-213. والأعلام 8145-146.
2 انظر: الصحاح للجوهري1123-124. ولسان العرب1369. وانظر: تفسير الطبري 3191 - ونقله عن السدي -. والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير 295.
3 انظر: زاد المسير 1355. وانظر ما سبق، ص 1185 من هذا الكتاب.
4 سورة إبراهيم، الآية 33.
5 هو أبو محمد عبد الحق بن الحافظ أبي بكر غالب بن عطية المحاربي الغرناطي. كان إماماً في الفقه وفي التفسير وفي العربية، قوي المشاركة، ذكياً فطناً مدركاً، من أوعية العلم. ولد سنة 480 هـ. وتوفي سنة 541 هـ، وقيل: 542 هـ. سير أعلام النبلاء 19587-588.
6 في تفسير ابن عطية: وتديبه.
وقال ابن الأثير عند شرح غريب هذا الحديث: "أي تكده وتتعبه، دأبَ يدأبُ دأباً ودُؤوباً وأدأبته أنا". النهاية في غريب الحديث 295.
7 أخرجه الإمام أحمد في المسند 1204، وكذلك في ص 205. وأبو داود في سننه 349-50، كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم.

الصفحة 971