كتاب نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز (اسم الجزء: 1)
وحديثهم الذي احتجوا، وهو حديثُ ابنِ عمر - رضي الله عنه - قد اختلف فيه أئمة الحديث بحسب الصحة والضعف، وقد رُوي متصلًا ومرسلًا؛ فذهب ابن المبارك إلى ترجيح الرواية المرسلة على المتصلة، رواه التِّرْمذي، وغيره عنه (¬١)، وقال النسائي بعد تخريجه للرواية المتصلة: "هذا خطأ، والصواب: أنه مُرْسَلٌ (¬٢) "، وقال التِّرْمذي: "وأهل الحديث كلُّهم يَرَونَ أن الحديث المرسل في ذلك أصح (¬٣) ".
[٣٦ ب/س]
فإن قيل: روى التِّرْمذي، حدثنا: محمد بن المثنى، ثنا: محمد بن بكر، ثنا: يونس بن يزيد عن الزهريِّ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - /كان يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم - ".
فالجواب أنه قال التِّرْمذي: "سألتُ محمدًا عن هذا الحديث؛ فقال: هذا أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يُرْوى هذا عن يونس عن الزهري أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر - رضي الله عنهم - كانوا يمشون أمام الجنازة (¬٤) "، فإذا صح الأمرُ على ذلك؛ فلا يبقى لهم حجة فيه؛ لأن المرسل ليس بحجة عندهم (¬٥).
وتأويلهم الاتباع بالأخذ في طريق الجنازة والسعي لأجلها، كما يقال: الجيش يتبع السلطان، أي: تتوخى موافقته، وإن تقدَّم كثيرٌ منهم في المشي والركوب، فصرف اللفظ عن ظاهره بلا داعٍ إليه، والله أعلم.
---------------
(¬١) سنن التِّرْمذي، (٣/ ٣٣٠).
(¬٢) سنن النسائي، (٤/ ٥٦).
(¬٣) سنن التِّرْمذي، (٣/ ٣٣٠).
(¬٤) وسنن التِّرْمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في المشي خلف الجنازة (٣/ ٣٣٢) (١٠١٠).
(¬٥) عمدة القاري (١٢/ ١٣٠).