كتاب نجاح القاري شرح صحيح البخاري - كتاب الجنائز (اسم الجزء: 1)

قال الحافظ العسقلاني: وكأنه لم يقف على رواية الزهري عن عروة التي تقدمت آنفًا؛ أي: فلذلك ذكر ما ذكره بالاحتمال, وقد تقدم في باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف من طريق عمرة، عن عائشة - رضي الله عنها -: "أن يهودية جاءت تسألها، فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة - رضي الله عنها - رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عائذًا بالله من ذلك. ثم ركب ذات غداة مركبًا، فخسفت الشمس" فذكر الحديث وفي آخره "ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر" (¬١). وفي هذا موافقة لرواية الزهري وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن عنده علم بعذاب القبر لهذه الأمة.
[٢٦٤ أ/ص]
وأصرح منه ما رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح على شرط البخاري عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأموي عن عائشة - رضي الله عنها - " أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة - رضي الله عنها - إليها شيئًا من المعروف، إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر، قالت: قلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب؟ قال: كذبت يهود، لا عذاب دون القيامة. ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن
يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، وهو /ينادي بأعلى صوته: أيها الناس، استعيذوا بالله من عذاب القبر حق" (¬٢)، وفي هذا كله أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما علم بحكم عذاب القبر؛ إذ هو بالمدينة في آخر الأمر.
فإن قيل: الآية، أعني قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [إبراهيم: ٢٧] الآية مكية، وكذا قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: ٤٦]؟.
فالجواب: أن عذاب القبر يؤخذ من الآية الأولى بطريق المفهوم في حق من لم يتصف بالإيمان، وكذا بالمنطوق. وفي الآية الثانية (¬٣) في حق آل فرعون، وإن التحق بهم من كان له حكمهم
---------------
(¬١) صحيح البخاري، أبواب الكسوف، باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف (٢/ ٣٦) (١٠٥٩).
(¬٢) مسند الإمام أحمد بن حنبل، مسند الصديقة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها (٤١/ ٦٦) (٢٤٥٢٠).
(¬٣) [الثالثة] في ب.

الصفحة 952