وأما مالك (¬1)، فإنه قال: التيمم يقع من اليدين على الكفّين ظهراً وبطناً، إلى المفصل. ورَوَى عن النبي عليه السلام بإسناده أنه قال لعمار بن ياسر: " التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين " (¬2)، وقيل: إن مذهبه (¬3) قولٌ للشافعي في القديم. وهذا الخبر بعيدٌ عن قبول التأويل.
والمنصوص عليه في الجديد، وهو على الحقيقة المذهب، أن محل التيمم من اليدين كمحل الوضوء منهما؛ لما رَوى ابنُ عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين " (¬4). وروي " أن النبي عليه السلام تيمّم فمسح بوجهه وذراعيه "، ولا يمكن حمل فعله في التيمّم على غير تأدية الواجب؛ فإن وضعَ الشرع في التيمّم على الاقتصار على مقدار الواجب على ما سيأتي ذلك مشروحاً في فعل التيمم
193 - وأما الحديث الذي رواه مالك، فمُشكلٌ جدّاً، ووجه الكلام عليه أن الحديث مرويّ في مخاطبة عمّار بن ياسر، وقد رئي وكان يتمعك في التراب بسبب
¬__________
(¬1) ر. الإشراف: 1/ 158 مسألة: 106، عيون المجالس للقاضي عبد الوهاب: 1/ 213 مسألة: 60، حاشية العدوي: 1/ 202، 203، وجواهر الإكليل: 1/ 27.
(¬2) حديث عمار رضي الله عنه: متفق عليه بلفظ: "إنما كان يكفيك هكذا" فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفه ضربة على الأرض، ثم مسح به ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها وجهه"، وترجم البخاري للحديث (باب التيمم ضربة)، وأخرجه أحمد، وأبو داود، والدارقطني، والدارمي، والطحاوي، والبيهقي، وفي بعض طرقه: بلفظ ضربتين، كما وقع في بعض طرقه إلى المرفقين، ونقل الحافظ عن ابن عبد البر، أن كل ما روي عنه من ضربتين فيه اضطراب. ا. هـ ولكن صح أن التيمم ضربتان في غير حديث عمار، وسيأتي قريباً. هذا. ولم نجد حديث عمار في الموطأ. (ر. اللؤلؤ والمرجان: 1/ 75، 76 ح 207، والتلخيص: 1/ 153 ح 208، وإرواء الغليل: 1/ 184 - 186).
(¬3) مذهبه: المراد مذهب مالك.
(¬4) حديث ابن عمر، رواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وأصح منه حديث أبي الزبير عن جابر، قال الحاكم، والذهبي: إسناده صحيح، وقال الدراقطني: رجاله كلهم ثقات. (ر. التلخيص: 1/ 151 ح 207، وانظر تعليق السيد عبد الله هاشم اليماني، بهامش التلخيص، والدارقطني: 1/ 180، 181، والحاكم في المستدرك: 1/ 179، 180، والبيهقي: 1/ 207، والطبراني في الكبير: 12/ 367 ح 13366).