فهو (¬1) أن نهاية التواضع لا يتأتى إلا بتمكين الجبهة من الأرض، والإمساسُ المجرد في حكم الإلمام (¬2) بافتتاح التواضع، وتمامُه التمكن، ثم التمكين عندنا فيه نظر؛ فإن ظاهره يشعر بأن الساجد متعبد بأن يتحامل على موضع سجوده، بحيث يظهر أثر تحامله.
وأنا أقول فيه: إن لم يكن موضع سجوده وثيراً محشواً، فيكفي أن يُرخيَ رأسَه ولا يُقلَّ ثِقْله، والسر فيه أن الغرض منه إبداء هيئة التواضع، والاسترسال في المصلّي كالشيء الملقَى، وهو (¬3) أليق بالتواضع من تصنّع التحامل على موضع السجود، والأصل في طلب نهاية التواضع أن الذي يكتفي بإمساس جبهته، الأرضَ، وهو يقلّ ثِقْلَ رأسه، كأنه يتقزّز (¬4) بإقلاله، كالضنين به، والذي يتكلف تحاملاً ليس يحصل بما يأتي به إظهار تواضع، فالأقرب إرخاء الجبهة، قالت عائشة رضي الله عنها: "رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في سجودِه كالخِرقة البالية" (¬5).
وإن كان الموضع الذي يسجد عليه محشواً بقطن أو غيره، فكان شيخي يوجب التحامل في مثل هذه الصورة، فيقول: ينبغي أن يتحامل تحاملاً يتبين أثره على يدٍ لو فرضت تحت ذلك المحشو، ولست أرى الأمر كذلك، بل يكفي إرخاء الرأس كيف
¬__________
= في الكبير ح 13566، والبيهقي في دلائل النبوة: 293، التلخيص: 1/ 251 ح 374).
هذا. وقد أورده إمام الحرمين موقوفاً على علي كرم الله وجهه، في الدرة المضية - مسألة رقم 75.
(¬1) كذا " فهو " بالفاء، مع أنها خبر لقوله: "وطريق المعنى ... " ثم جاءتنا (ل) مخالفة النسخ الأربع بحذف لفظ " فهو " والاستغناء عنها، فصار الخبر " أن " ومعموليها.
(¬2) في (ل): الاهتمام.
(¬3) ساقطة من (ل).
(¬4) في (ل): يتعزز.
(¬5) حديث عائشة رضي الله عنها، قال الحافظ: لم أجده هكذا، وقال ابن الصلاح: لم أجد له بعد البحث صحة، وتبعه النووي، فقال في التنقيح: "منكر لا أصل له" ا. هـ. ثم قال الحافظ: نعم قد روى ابن الجوزي نحو هذا في حديث عائشة ليلة النصف من شعبان .. قولها: "فانصرفت إلى حجرتي فإذا أنا به كالثوب الساقط. على وجه الأرض ساجداً" (ر. التلخيص: 1/ 254، ح 378، والعلل المتناهية لابن الجوزي: 2/ 67 ح 917).