كتاب نهاية المطلب في دراية المذهب (اسم الجزء: 17)

لمن كان يبذُؤ بلسانه على صاحب له، فأطلق المعزَّر لسانه في عمر غير شاعرٍ به، فردّ الدرّة، حتى روجع في ذلك، وقيل (1): تعرّض لرجلٍ من آحاد المسلمين، فهممتَ به، وأساء القولَ في أمير المؤمنين [ووَزَرِ] (2) المسلمين، فكففتَ عنه، فقال: " أما إني رفعتها لله، فمَن ابن أم عمر حتى يُنتَقمَ له مع الانتقام لله " (3)؟ وأشار بهذا إلى ما لحقه من مبادئ الغيظ.
وقد روي من صفح رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفوه ما يظهر حملُه على قريب ممَّا ذكرناه. وهو مثل ما روي: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان في سفرٍ على بعيرٍ فجاء أعرابي، فجذب رداءه، حتى أثرت جذبته في عنقه، وقال: احملني؛ فإنك لا تحملني على بعيرك ولا بعير أبيك " (4) فقال أبو هريرة: فهممنا به كالخيل من الحديد نبغي قتله، فقال عليه السلام: " عزمت على من سمع كلامي أن يثبت مكانه "، فوقفنا، وأيدينا على مقابض السيوف ننتظر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا أسامةَ بن زيد، وقال: " احمله على بعير الزاد " ولم يعزره. وقصة الرجل الذي خاصم الزبير في سقيه بستاناً مشهورة، وهي محمولة على ما ذكرناه (5).
11238 - ومن أهم ما يجب الاعتناء به، [فهمُ] (6) سؤال مع الجواب عنه. فإن
__________
(1) أي قيل لعمر.
(2) في الأصل: " ووزير ".
(3) أثر عمر رضي الله عنه لم نقف عليه.
(4) حديث الأعرابي الذي جذب ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " احملني ... " رواه أبو داود، والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وضعفه الشيخ الألباني (ر. أبو داود: الأدب، باب الحلم وأخلادتى النبي صلى الله عليه وسلم، ح 4775، النسائي: القسامة، باب القود من الجبذة، ح 4780، ضعيف سنن أبي داود للألباني، ح 1022).
(5) حديث الرجل الذي خاصم الزبير في سقي بستان متفق عليه. (البخاري: المساقاة، باب سَكْر الأنهار، ح 2359، 2360، مسلم: الفضائل، باب وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم، ح 2357).
(6) في الأصل: " فهو ".

الصفحة 363