كتاب نصب الراية (اسم الجزء: 2)

فَهُوَ مَرْدُودٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ1، قَالَ: ترائى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَرَأَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي حَدِيثِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ.
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ: مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ2 عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ عليه السلام أَمَرَ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ: أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: " أَنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ"، انْتَهَى. قَالَ الطَّحَاوِيُّ3: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمٍ، وَلَمْ ينْوِه لَيْلًا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ": لَمْ يَكُنْ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَاجِبًا، فَلَهُ حُكْمُ النَّافِلَةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"4 عَنْ مُعَاوِيَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُفْرَضْ عَلَيْنَا صِيَامُهُ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ، فَإِنِّي صَائِمٌ"، فَصَامَ النَّاسُ، قَالَ: وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَكَلَ بِالْقَضَاءِ، انْتَهَى. قَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": وَالْجَوَابُ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ مَعْنَاهُ: لَيْسَ مَكْتُوبًا عَلَيْكُمْ الْآنَ، أَوْ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ بَعْدَ أَنْ فُرِضَ رَمَضَانُ، قَالَ: وَهَذَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَهُوَ إنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ عليه السلام بعد ما أَسْلَمَ، فِي سَنَةِ تِسْعٍ، أَوْ عَشْرٍ، بَعْدَ أَنْ نُسِخَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ، وَرَمَضَانُ فُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَنَسْخُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"5 عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا يَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ، قَالَ: "مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ"، انْتَهَى. قَالَ: وَأَمَّا تَرْكُ الْأَمْرِ لِقَضَائِهِ: فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا قِيلَ فِيمَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ فِي حَدِيثٍ غَرِيبٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"6 عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْلَمَةً عَنْ عَمِّهِ: أَنَّ أَسْلَمَ أَتَتْ النَّبِيَّ عليه السلام، فَقَالَ: صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ، قَالَ أَبُو دَاوُد: يَعْنِي عَاشُورَاءَ، انْتَهَى. وَهَذَا حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ، وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: رُوِيَ أَنَّهُ عليه السلام كَانَ يَقُولُ بعد ما يُصْبِحُ غَيْرَ صَائِمٍ: "إنِّي إذًا لَصَائِمٌ"،
__________
1 أخرجه أبو داود: ص 327 ج 1، والمستدرك: ص 423 ج 1.
2 البخاري في "باب إذا نوى بالنهار صوماً" ص 257، ومسلم في "باب صوم عاشوراء" ص 359 ج 1.
3 ص 327.
4 البخاري: ص 268، ومسلم: ص 358.
5 البخاري: ص 268، ومسلم: ص 357.
6 أبو داود في "باب فضل صوم عاشوراء" ص 339، والبيهقي: ص 221 ج 4.

الصفحة 436