خَنْسَاءَ بنت خدام أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، وَكَانَتْ ثَيِّبًا، فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِكَاحَهُ، انْتَهَى. انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ 1 عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ"، انْتَهَى 2. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ 3 وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْهُ صَالِحٌ مِنْ نَافِعٍ، إنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْهُ، اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَسَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ صَالِحٍ، وَكَأَنَّ مَعْمَرًا أَخْطَأَ فِيهِ، قَالَ النَّيْسَابُورِيُّ: وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ مَعْمَرًا أَخْطَأَ فِيهِ، قَالَ النَّسَائِيُّ: لَعَلَّ صَالِحَ بْنَ كَيْسَانَ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ إسْحَاقَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فَقَالَ: ذِكْرُ الْخَبَرِ الْمُدْحِضِ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، ثُمَّ ذَكَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ عَنْ نَافِعٍ، وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، قَالَ صَالِحٌ: إنَّمَا سَمِعْته مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَالَ عليه السلام: "الْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ رَضِيَتْ"، قُلْت: غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرَوَى الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ" 4، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ:
__________
1 عند أبي داود في "باب في الثيب" ص 286، وعند النسائي "باب استئذان البكر في نفسها" ص 77 - ج 2، وقال ابن قدامة المقدسي في "المحرر": رواه أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم البستي، والدارقطني، انتهى.
2 قال الجصاص الرازي في "أحكام القرآن" ص 475 - ج 1: فقوله: ليس للولي مع الثيب أمر، يسقط اعتبار الولي في العقد، وقوله: الأيم أحق بنفسها من وليها، يمنع أن يكون له حق في منعها العقد على نفسها، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الجار أحق بصقبه"، وقوله لأم الصغير: "أنت أحق به ما لم تنكحي"، فنفى بذلك كله أن يكون له معها حق، ويدل عليه حديث الزهري عن سهل بن سعد في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال عليه السلام: ما لي في النساء من أرب، فقام رجل فسأله أن يزوجها، فزوجها، ولم يسألها: هل لها ولي أم لا، ولم يشترط الولي في جواز عقدها، وخطب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم سلمة فقالت: ما أحد من أوليائي شاهد، فقال لها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكرهني"، فقالت لابنها، وهو غلام صغير: قم فزوج أمك، الخ.
3 عند الدارقطني: ص 389 عن إسحاق عن صالح بن كيسان به.
4 قال ابن التركماني في "الجوهر النقي على هامش سنن البيهقي" ص 114 - ج 7: وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ولا تنكح البكر حتى تستأذن" دليل على أن البكر البالغة لا يجبرها أبوها ولا غيره، قال شارح "العمدة": وهو مذهب أبي حنيفة، وتمسكه بالحديث قوي، لأنه أقرب إلى العموم في لفظ البكر، وربما يزاد على ذلك بأن يقال: الاستئذان إنما يكون في حق من له إذن، ولا إذن للصغيرة، فلا تكون داخلة تحت الارادة، ويختص الحديث بالبالغات، فيكون أقرب إلى التناول، وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا تنكح البكر حتى تستأذن"، وهو قول عام، وكل من عقد على خلاف ما شرع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو باطل، وليس لأحد =