كتاب نصب الراية (اسم الجزء: 3)

غَيْرَ أَنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، وَفِيهِ مَقَالٌ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِطَوَافِهِ عليه السلام رَاكِبًا، فَقِيلَ: لَأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي مُسْلِمٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَا1 عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبِرْنِي عَنْ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَك يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، قُلْت: مَا قَوْلُك: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْخُدُورِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ، مُخْتَصَرٌ، وَقِيلَ: كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ، وَرَدَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ"، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ، انْتَهَى. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَيْسَ بِنَاجِحٍ، لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الضَّمِيرِ فِي "عَنْهُ" إلَى الرُّكْنِ، انْتَهَى. قِيلَ: إنَّهُ كَانَ بِهِ شِكَايَةٌ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" 2 عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِي، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَضَعَّفَ ابْنَ أَبِي زِيَادٍ، وَقَالَ: إنَّهُ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ يَشْتَكِي لَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهَا، انْتَهَى. قُلْت: رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ فِي كِتَابِ "الْآثَارِ" أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عن حماد بن أبي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَعَ عِكْرِمَةَ، فَجَعَلَ حَمَّادٌ يَصْعَدُ الصَّفَا، وَعِكْرِمَةُ لَا يَصْعَدُهُ، وَيَصْعَدُ حَمَّادٌ الْمَرْوَةَ، وَعِكْرِمَةُ لَا يَصْعَدُهُ، فَقَالَ لَهُ حَمَّادٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَلَا تَصْعَدُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ؟ فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ طَوَافُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ حَمَّادٌ: فَلَقِيت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّمَا طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَهُوَ شَاكٍ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ بِمِحْجَنٍ، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَصْعَدْ، انْتَهَى. وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" إلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَقَالَ: "بَابُ الْمَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا"3، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا اشْتَكَتْ، فَقَالَ لَهَا عليه السلام: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، قَالَتْ: فَطُفْت وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا،
__________
1 أخرجه مسلم في "باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة" ص 411.
2 عند أبي داود في "باب الطواف الواجب" ص 259، ورواه البيهقي في "باب الطواف راكباً" ص 100 - ج 5، وقال: وهذه زيادة تفرد بها، والله أعلم، وقد بين جابر بن عبد الله الأنصاري، وابن عباس في رواية أخرى عنه، وعائشة بنت الصديق معنى طوافه راكباً، اهـ.
3 عند البخاري في "باب المريض يطوف راكباً" ص 221، والرواية الثانية في: ص 220، وعند مسلم: ص 413 - ج 1.

الصفحة 41