كتاب نزهة الأبصار في مناقب الأنصار لابن الفراء

قال القاضي أبو بكر رحمه الله: الكلام في المدينة في أربعة فصول.
الأول: في تحريمها.
الثاني: في بركتها.
الثالث: في إعمال المطي إليها.
الرابع: في فضلها.
الفصل الأول: في تحريمها. إن الله تعالى خلق الأرض وشرف بعضها على بعض بما أوجب لها من حرمة وركب فيها من فائدة. إما من منفعة دينية، وإما من منفعة بدنية، وتعلق الحرمة بها يكون من وجوه، منها تعلق علم الله تعالى بحرمتها، ومنها تعلق حرمتها بفعله جل وعز من عصمته إياها من الجبابرة، ومنها ما أوقع في قلوب الخلق من التعظيم لها، فإن قيل: فإذا كانت حرمتها كحرمة مكة، فيجب أن يكون فيها الجزاء والأجزاء فيها على المشهور، فالجواب أنه قد يكون الذنب والحرمة أعظم من أن تكون فيه كفارة، وتكون العقوبة مؤخرة عنه إلى الآخرة.
قال القاضي أبو بكر: فإن قيل: فأي حرمة لمكة وقد فعل الحجاج فيها ما فعل وقد كان في المدينة في يوم الحرة ما كان ودين الإسلام قائم، والمسلمون متوافرون؟ قلنا: كانت العصمة قبل الإسلام مقدمة للنبي صلى الله عليه وسلم في الإنذار به والإشادة بشرفه وشرف آياته، وكانت الهتكة في الإسلام ابتلاء من الله تعالى للخلق ليعلم صبرهم فلما ابتلاهم وعملهم فيما أعطاهم كما قال تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}.

الصفحة 351