كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

ما أوتوه لفعل كما يفعلون، فيقول: لو أن لي مالًا لعملت بأعمالهم فهو بنيته وأجرهما سواء، كما أخبر به الصادق المصدوق فى الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري (¬١).
قالوا: والفقير في الدنيا بمنزلة المسجون، إذ هو ممنوع عن الوصول إلى شهواتها وملاذّها، والغني متخلّص من هذا السجن، وقد قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر" (¬٢)، فالغني إن لم يسجن نفسه عن دواعي الغنى وطغيانه وأرسلها في ميادين شهواتها كانت الدنيا جنّة له، فإنما ينال الفضل بتشبّهه بالفقير الذي هو في سجن فقره.
قالوا: وقد ذمّ اللَّه ورسوله من عجلت له طيباته في الحياة الدنيا، وإنه لحريٌّ أن يكون عوضًا عن طيبات الآخرة أو منقصة لها ولا بدّ كما تقدّم بيانه (¬٣)، بخلاف من استكمل طيباته في الآخرة لما منع منها في الدنيا، وأتي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بسويق لوز، فأبى أن يشربه، وقال: "هذا شراب المترفين" (¬٤).
قالوا: وقد سُئل الحسن البصري فقيل له: رجلان أحدهما تارك
---------------
(¬١) "المسند" (٤/ ٢٣٠)، و"جامع الترمذي" (٢٣٢٥). وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
ورواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤٢٢٨). وسيذكر المصنف لفظه قريبًا.
(¬٢) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٥٦) من حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه.
(¬٣) سبق ذلك ص (٤٠٤) وما بعدها.
(¬٤) رواه نعيم بن حماد في "زوائد الزهد" لابن المبارك رقم (٢٠٠)، وأحمد في "الزهد" رقم (٢٣)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٣٩٥).

الصفحة 479

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text