كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
الفقراء، وفرق بين اليدين شرعًا وقدرًا، وجعل يد المعطي أعلى من يد الآخذ، وجعل الزكاة أوساخ المال، ولذلك حرّمها على أطيب خلقه وعلى آله؛ صيانة لهم وتشريفًا ورفعًا لأقدارهم (¬١).ونحن لا ننكر أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان فقيرًا ثم أغناه اللَّه، وفتح عليه وخوّله ووسّع عليه، وكان يدّخر لأهله قوت سنة (¬٢)، ويعطي العطايا التي لم يعطها أحد غيره، وكان يُعطي عطاء من لا يخاف الفقر (¬٣)، ومات عن فدك والنضير وأموال خصّه اللَّه بها (¬٤)، وقال تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الحشر: ٧].
فنزّهه ربه سبحانه عن الفقر الذي يسوغّ أخذ الصدقة، وعوّضه عما نزّهه عنه (¬٥) بأشرف المال وأحلّه وأفضله، وهو ما أخذه بظلّ رمحه وقائم
---------------
(¬١) روى مسلم في "صحيحه" رقم (١٠٧٢) من حديث عبد المطلب بن ربيعة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس".
(¬٢) روى ذلك البخاري في "صحيحه" رقم (٥٣٥٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٧٥٧)، كلاهما من حديث عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه.
(¬٣) روى مسلم في "صحيحه" رقم (٢٣١٢) من حديث أنس بن مالك قال: "ما سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة".
(¬٤) انظر في فدك: "صحيح البخاري" رقم (٤٠٣٥)، و"صحيح مسلم" رقم (١٧٥٩)، من حديث عائشة رضي اللَّه عنها.
وانظر في النضير: "صحيح البخاري" رقم (٢٩٠٤)، و"صحيح مسلم" رقم (١٧٥٧)، من حديث عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه.
(¬٥) في الأصل: "به"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.