كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة ط الفكر (اسم الجزء: 3)
الأَزْرَقُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ نُبَيْطٍ- يَعْنِيَ ابْنَ شريط- عن سالم ابن عُبَيْدٍ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ-: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَال: مُرُوا بِلالا فَلْيُؤَذِّنْ، وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ- قَالَ: ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:
إِنَّ أَبِي رَجُلٌ أَسِيفٌ [١] ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَهُ؟ فَقَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي رَجُلٌ أَسِيفٌ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَهُ؟ قَالَ: إِنَّكُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ، مُرُوا بِلالا فَلْيُؤَذِّنْ، وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أقيمت الصلاة؟ قالوا: نعم. قال: أدعو إِلَيَّ إِنْسَانًا أَعْتَمِدُ عَلَيْهِ. فَجَاءَتْ بُرَيْرَةُ وَإِنْسَانٌ آخَرُ، فَانْطَلَقُوا يَمْشُونَ بِهِ، وَإِنَّ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ قَالَ: فَأَجْلِسُوهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ، فَحَبَسَهُ حتَّى فَرَغَ النَّاسُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قَالَ- وَكَانُوا قَوْمًا أُمِّيِّينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ- قَالَ عُمَرُ: «لا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ بِمَوْتِهِ إِلا ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا» ! قَالَ فَقَالُوا لَهُ: اذْهَبْ إِلَى صَاحِبِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم فَادْعُهُ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ. قَالَ: فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: فَأَجْهَشْتُ أَبْكِي، قَالَ: لَعَلَّ نَبِيَّ اللَّهِ تُوُفِّيَ؟
قُلْتُ: إِنَّ عُمَرَ قَالَ: «لا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ بِمَوْتِهِ إِلا ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا» ! قَالَ: فَأَخَذَ بِسَاعِدِي ثُمَّ أَقْبَلَ يَمْشِي، حَتَّى دَخَلَ، فَأَوْسَعُوا لَهُ. فَأَكَبَّ عَلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَادَ وَجْهُهُ يَمَسُّ وَجْهَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ نَفْسَهُ حَتَّى اسْتَبَانَ أَنَّهُ توفى. فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٩: ٣٠ [٢] قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَعَلِمُوا أَنَّهُ كَمَا قَالَ.
قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ، هَلْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَجِيءُ نَفَرٌ مِنْكُمْ فَيُكَبِّرُونَ فَيَدْعُونَ وَيَذْهَبُونَ حَتَّى يَفْرَغَ النَّاسُ. فَعَلِمُوا أَنَّهُ كَمَا قَالَ، قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ، هَلْ يُدْفَنُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نِعْمَ. قَالُوا: أَيْنَ يُدْفَنُ؟ قَالَ: حَيْثُ قبض الله روحه، فإنه لَمْ يَقْبِضْهُ إِلا فِي مَوْضِعٍ طَيِّبٍ. قَالَ: فَعَرَفُوا أَنَّهُ كَمَا قَالَ. ثُمَّ قَالَ: عِنْدَكُمْ صَاحِبُكُمْ. ثُمَّ خَرَجَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْه الْمُهَاجِرُونَ- أَوْ مَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْه مِنْهُمْ- فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِنَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْحَقِّ نَصِيبًا. قَالَ: فَذَهَبُوا حَتَّى أَتَوُا الأَنْصَارَ، قَالَ: فَإِنَّهُمْ لَيَتَآمَرُونَ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: «مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ» فَقَامَ عُمَرُ وَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «سَيْفَانِ فِي غِمْدٍ إِذَنْ لا يَصْطَحِبَانِ» ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَهُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ: إِذْ هُما فِي الْغارِ ٩: ٤٠،
---------------
[١] أسيف: سريع البكاء والحزن، رقيق القلب.
[٢] سورة الزمر، الآية ٣٠.
الصفحة 227