كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة ط الفكر (اسم الجزء: 3)
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الصَّقْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: بَكَتِ الْجِنُّ عَلَى عُمَرَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِثَلاثٍ، فَقَالَتْ [١] :
أَبَعْدَ قَتِيلٍ بِالْمَدِينَةِ أَصْبَحَتْ ... لَهُ الأَرْضُ تَهْتَزُّ الْعِضَاهُ [٢] بِأَسْوُقِ
جَزَى اللَّهُ خَيْرًا مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ ... يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
فَمَنْ يَسْعَ أَوْ يَرْكَبْ جَنَاحَيْ نَعَامَةٍ ... لِيُدْرِكَ مَا قَدَّمْتَ بِالأَمْسِ يُسْبَقِ
قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَاْدَرْتَ بَعْدَهَا ... بَوَائِقَ [٣] فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تُفَتَّقِ
فَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَمَاتُهُ ... بِكَفَّيْ سَبَنْتَى [٤] أَخْضَرِ الْعَيْنِ مُطْرَقِ
قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الأَبْيَاتِ لِلشَّمَّاخِ، أَوْ لأَخِيهِ مُزَرِّدٍ.
أَنْبَأَنَا مِسْمَارُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْعُوَيْسِ النِّيَارُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي صَالِحِ بْنِ فَنَاخِسْرُو وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادِهِمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقَفَ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: كَيْفَ فَعَلْتُمَا؟ أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لا تُطِيقُ؟ قَالا: حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ، مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ. قَالَ: انْظُرَا أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لا تُطِيقُ: قَالا: لا. فَقَالَ عُمَرُ: لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ لأَدَعَنَّ أَرَامِلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لا يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا- قَالَ: فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا رَابِعَةٌ حَتَّى أُصِيبَ- قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ: اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَرُبَّمَا قَرَأَ بِسُورَةِ «يُوسُفَ» أَوِ «النَّحْلِ» أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَمَا هُوَ إِلا أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي- أَوْ: أَكَلَنِي الْكَلْبُ- حِينَ طَعَنَهُ، فَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ، لا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وشمالا إلّا طعنه،
---------------
[١] ينظر الأبيات في الطبقات الكبرى لابن سعد: ٣/ ١/ ٢٤١، ٢٧٢. وقد ذكر ابن قتيبة البيت الثاني في الشعر والشعراء: ١/ ٣١٩، ونسبه إلى جزء بن ضرار أخى الشماخ ومزرد. أما البيت الأخير فقد ذكر محمد بن سعد في الطبقات ٣/ ١/ ٢٧٢ عن عفان بن مسلم أنه قاله عاصم الأسدي. وقد ذكر ابن الأثير البيت الثاني في النهاية: ٢/ ٣٩٣، والرابع في:
١/ ١٦٠، والخامس في: ٢/ ٢٤٠.
[٢] العضاء، جمع عضاهة، وهي أعظم الشجر. وأسوق: جمع ساق. وهذا البيت في اللسان، مادة: سوق. يريد تهتز عظام الشجر من سيقانها. وهذا كناية عن الخطب الشديد.
[٣] البوائق: جمع بائقة، وهي الداهية. ورواية النهاية: «بوائج» وهي جمع بائجة، وهي الداهية أيضا.
[٤] السبنتى، والسبندى- بفتح السين والباء وسكون النون، وفتح التاء أو الدال-: النمر.
الصفحة 672