كتاب شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

وعن ابن عمر أنَّ رجلًا مرَّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يبول، فسلَّم عليه الرجل، فردَّ عليه السلام. فلمَّا جاوزه ناداه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إنما حمَلَني على الرَّدِّ عليك خشيةُ أن تذهبَ فتقولَ: إنّي سلَّمتُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يرُدَّ عليَّ. فإذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلِّم عليَّ، فإنك إنْ تفعَلْ لا أردَّ عليك". رواه الشافعي (¬١).
وهذا يدل على أنَّ الكلام هنا مكروه، وأنه يجوز لعذر.
وإذا عطَس حمِد الله بقلبه في أشهر الروايتين. والأخرى: يحمده بلسانه خُفيةً (¬٢)، لعموم الأمر به، ولأنه كلام لحاجة. والأول أولى، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يردَّ السلام [٣٣/ب] مع تأكُّده وتعلُّق حقِّ الإنسان به، فغيره أولى.
وحكى الإمام أحمد أنَّ ابن عباس كان يكره ذكر الله على خلائه، ويشدِّد فيه (¬٣)، وذكرُ الله سبحانه أعظم من غيره من الكلام، فلا يقاس به.
---------------
(¬١) "الأم" (٢/ ١٠٨) ــ ومن طريقه البيهقي في "معرفة السنن" (١/ ٣٢٧) ـ، وبنحوه البزار (١٢/ ٢٤٢)، وابن الجارود (٣٧).

وصححه مغلطاي في "الإعلام" (١/ ٢٤٢)، وابن حجر في "نتائج الأفكار" (١/ ٢٠٤)، وقال عبد الحق في "الأحكام الوسطى" (١/ ١٣١): "حديث مسلم أصح، ولعله كان ذلك في موطنين"، يشير إلى مخالفته لحديث ابن عمر المتقدم عند الجماعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرد على الرجل حين سلَّم عليه.
انظر: "الإمام" (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٥)، "الإعلام" (١/ ٢٤٢ - ٢٤٤).
(¬٢) في الأصل: "خيفة"، تحريف.
(¬٣) أخرج ابن أبي شيبة (١٢٢٧) عنه أنه قال: "يُكره أن يذكر الله وهو جالس على خلائه، والرجل يواقع امرأته؛ لأنه ذو الجلال يُجَلّ عن ذلك".

الصفحة 109