كتاب شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

أحدها: أن البخاري أشار في حديث أبي هريرة إلى أنه لا يعرف السماع في رجاله. وهذا غير واجب (¬١) في العمل، بل العنعنة مع إمكان اللقاء، ما لم يُعلم أنَّ الراوي مدلس.
وثانيها: أنه قد تعددت طرقه، وكثرت مخارجه. وهذا مما يشدُّ بعضُه بعضًا، ويغلب على الظن أنَّ له أصلًا. وروي أيضًا مرسلًا، رواه سعيد عن مكحول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا تطهَّر الرجل وذكر اسمَ الله طهُر جسدُه كلُّه. وإذا لم يذكر اسمَ الله لم يطهُر منه إلا مكانُ الوضوء" (¬٢).
وهذا وإن احتُجَّ به على أنَّ التسمية ليست واجبة، فإنه دليل على وجوبها؛ لأن الطهارة الشرعية: التي تطهِّر الجسد كلَّه حتى تصح الصلاةُ ومسُّ المصحف بجميع البدن، فإذا لم تحصل الشرعية حصلت (¬٣) الطهارة الحسِّية وهي مقتصرة على محلِّها، كما لو لم ينو.
وروى الدراوردي، ثنا محمد بن أبي حميد، عن عمر بن يزيد أنَّ رجلًا توضأ ثم جاء، فسلَّم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض عنه، وقال له: "تطهَّرْ". فرجع فتوضأ ثم اجتهد، فجاء فسلَّم، فأعرض عنه، وقال: "ارجع فتطهَّرْ". فلقي الرجل عليًّا فأخبره بذلك، فقال له علي: هل سمَّيتَ الله حين
---------------
(¬١) كذا في الأصل والمطبوع، ولعل الصواب: "غير قادح".
(¬٢) لم أقف عليه، وعزاه في "كنز العمال" (٩/ ٤٥٧) إلى سعيد بن منصور، وجاء فيه الأثر عن مكحول قوله.
وأخرج الدارقطني (١/ ٧٣ - ٧٤)، والبيهقي (١/ ٤٤ - ٤٥) أحاديث مرفوعة بنحوه من طريق ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، وأسانيدها تالفة.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١٧) من حديث أبي بكر - رضي الله عنه - موقوفًا عليه، وإسناده منقطع.
(¬٣) في المطبوع: "جعلت"، وهو تصحيف.

الصفحة 144