كتاب شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
ثم لو سُلِّم (¬١) اختصاصُ الإبل دون غيرها من الأنعام بوصفٍ يُستحبُّ معه الوضوء بطلت (¬٢) جميعُ أدلَّتهم في المسألة من الجمع بينها وبين غيرها (¬٣)، ولم يبقَ حينئذ دليلٌ يُوجِب صرفَ الأمر عن الوجوب، ويقال: إن جاز أن يختصّ باستحباب الوضوء جاز أن يختصّ بوجوبه، وهو المعقول من الكلام، فلا وجه للعدول عنه.
[١١٠/أ] ثم الجواب عن جميع هذه الأسوِلة (¬٤) أنها احتمالات مرجوحة وتأويلات بعيدة، لا يجوز حملُ الكلام عليها إلا مع دليلٍ قويٍّ أقوى من تلك الدلالة، يوجب الصرف عن الظاهر والمصير إلى الباطن. وليس في عدم نقض (¬٥) الوضوء بلحوم الإبل دليلٌ يقارب تلك الدلالة، فضلًا عن أن يكون أقوى منها. وإنما هو استصحابُ حال وقياسٌ طرديٌّ يحسن اتباعهما (¬٦) عند عدم الدلالة بالكلية.
ولقد تعجَّب الإمام أحمد (¬٧) ممَّن (¬٨) يخالف هذا الحديث الصحيح الصريح (¬٩)، وينقض الوضوء بالقهقهة، مع أنها أبعد شيء عن العقول
---------------
(¬١) في الأصل: «لم سلم». وفي المطبوع: «لم يسلم».
(¬٢) في الأصل والمطبوع: «بطلب».
(¬٣) يعني بين الإبل والغنم. وفي الأصل والمطبوع: «بينهما وبين غيرهما».
(¬٤) غيَّره في المطبوع إلى «الأسئلة».
(¬٥) في الأصل: «نقض عدم».
(¬٦) في الأصل والمطبوع: «أتباعها».
(¬٧) انظر: «المغني» (١/ ٢٥٤).
(¬٨) في الأصل والمطبوع: «بمن».
(¬٩) في المطبوع: «الصريح الصحيح». وكذا في الأصل ولكن فوقهما ما يشير إلى التقديم والتأخير.