كتاب شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
اشتبه ضوءه بضوء القمر في ليالي القمر. وكثيرًا ما قد صُلِّي الفجر، ثم تبيَّن لهم أنَّ الفجر لم يطُلع. وقد وقع ذلك لعدد من الصحابة وغيرهم (¬١)، بخلاف زوال الشمس وغروبها.
ولهذا ــ والله أعلم ــ مدَّ الله الأكلَ بالليل إلى أن يتبيَّن الفجر، وقال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧]، فجعل وقتَ الفجر منوطًا بتبيُّنه وظهوِره، وهو الإسفار الذي أمر (¬٢) النبي - صلى الله عليه وسلم - به على هذا التفسير. ولم يقل: ثم أتِمُّوا الصيام حتى يتبيَّن لكم الليلُ، لأنَّ دخول الليل لا شبهة فيه. فإذا أُخِّرت حتى يظهر ضوء الفجر ويتبيَّن كان أبعد عن الشبهة. ولعله بهذا (¬٣) أيضًا أن يتسحَّر الناس حتى يتبيَّن لهم الفجر، وأن لا يكفُّوا عن الطعام إذا اشتبه عليهم الحال. وقد جاء ذلك مأثورًا عن الصحابة في قضايا متعددة، فكأنّ المؤذِّن والمصلِّي (¬٤) إذا لم يتبيَّن طلوعُ الفجر منع الناس ذلك (¬٥).
وقد قيل: إنَّ أولئك القوم لما أُمِروا بتعجيل الصلوات احتمل أنهم كانوا يصلُّونها ما بين الفجر الأول والثاني؛ طلبًا للأجر في تعجيلها، ورغبةً في الثواب. فقيل لهم: صلُّوها بعد الفجر الثاني، فإنه أعظم [ص ٥٤] للأجر، وإن كانت لا تجوز قبل الوقت، لكن لما قصدوا الخير (¬٦) ونوره فإنَّ الله يأجرهم
---------------
(¬١) روي ذلك عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري، وسيأتي تخريجه.
(¬٢) في الأصل والمطبوع: «أقر»، تصحيف.
(¬٣) كذا في الأصل والمطبوع، ولعل «بهذا» تحريف «قصد».
(¬٤) كذا في الأصل والمطبوع، وكأنَّ لفظ «والمصلي» مقحم.
(¬٥) في المطبوع غيَّر «منع» إلى «أعاد» دون إشارة، وقال: «هكذا في المخطوط»!
(¬٦) في الأصل: «يصفوا الحبر». ولعل الصواب ما أثبت. وفي المطبوع: «لم يصفوا الفجر» زاد «لم» دون إشارة.