كتاب شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
القضاء واجب عليه.
ويدل على ذلك أنَّ عمر وابن مسعود وغيرهما من السلف جعلوا تركَ الصلاة كفرًا، وتأخيرَها عن وقتها إثمًا ومعصيةً (¬١)، وفسَّروا بذلك قوله تعالى: {عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: ٥] وقوله تعالى: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} [مريم: ٥٩]. فلو كان فعلُها بعد الوقت لا يصحُّ بحال، كالوقوف بعرفة بعد وقته، لكان وجود تلك الصلاة كعدمها، وكان المؤخِّر كافرًا كالتارك. وقد أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن الأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة حتى يخرج وقتها، وأمرَ أن يصلَّى خلفهم (¬٢). ولو كانت الصلاة فاسدة لم تصحَّ الصلاة خلفهم كالمصلِّي بغير وضوء.
ويجوز تأخير القضاء شيئًا يسيرًا لغرض صالح، مثل اختيار بقعة على بقعة، وانتظار جماعة [ص ٥٩] يكثر بهم جمعُ الصلاة. بل يستحَبُّ له إذا نام عنها في موضع أن ينتقل عنه إلى غيره للقضاء. نصَّ عليه (¬٣)، واختاره بعض أصحابنا إذا نام عنها في منزل في السفر. وذلك كما فعل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لما فاتته صلاة الفجر في السفر وقال: «هذا منزل حضَرَنا فيه الشيطانُ» (¬٤)؛ لأنَّ الصلاة في مظانِّ الشياطين كالحمام والحُشَّ لا تجوز، فالتي عرض الشيطان فيها، أحسنُ أحوالها أن يستحَبُّ تركُ الصلاة فيها.
ولا يجب عليه القضاء أكثر من مرَّة واحدة؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يقضِ يومَ
---------------
(¬١) تقدم تخريجه.
(¬٢) تقدم تخريجه.
(¬٣) انظر: «المغني» (٢/ ٣٤٧).
(¬٤) أخرجه مسلم (٦٨٠).