كتاب شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
وأما الراكب، فإن كان يشقُّ عليه استقبال القبلة حين الاستفتاح، مثل أن تكون دابته مقطورة بغيرها (¬١)، ويشقَّ عليه أن يستدير (¬٢)، أو تكون الدابة مستصعبة (¬٣) يشقُّ إدارتها إلى الكعبة= لم يجب عليه في المشهور في المذهب. وقد قيل: إنه يجب عليه ذلك. فأما إن تعذَّر ذلك عليه، فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف.
وإن تيسَّر ذلك عليه وجب عليه في إحدى الروايتين المنصوصتين (¬٤). وفي الأخرى: لا يجب كسائر أجزاء الصلاة، لكن يستحب. وهذا قول أبي بكر وابن أبي موسى (¬٥).
وجه الأول ــ وهو اختيار أكثر أصحابنا ــ: ما روى أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سافر فأراد أن يتطوَّع استقبل القبلة بناقته، فكبَّر ثم صلَّى حيث كان وجهُ ركابه. رواه أحمد وأبو داود (¬٦).
ومدار تطوع الراكب على فعله [ص ١٩٨]- صلى الله عليه وسلم -، فإذا كان إنما كان يفتتح الصلاة مستقبلًا للكعبة وجب اتباعه في ذلك، وحديث أنس قد فسَّر فعله، وسائر الأحاديث لم يتعرَّض لذلك بنفي ولا إثبات.
---------------
(¬١) من قطَر الإبلَ: قرَّب بعضها إلى بعض في سياق واحد.
(¬٢) في المطبوع: «يستدبر»، تصحيف.
(¬٣) في المطبوع: «مستعصية» خلافًا للأصل.
(¬٤) في «المغني» (١/ ٩٨): «يخرَّج فيه روايتان».
(¬٥) «الإرشاد» (ص ٨٦). وانظر: «الإنصاف» (٣/ ٣٢٧).
(¬٦) أحمد (١٣١٠٩)، وأبو داود (١٢٢٥).
قال ابن الملقن في «البدر المنير» (٣/ ٤٣٨): «إسناد صحيح كل رجاله ثقات»، وحسنه ابن حجر في «بلوغ المرام» (٤٣).