كتاب شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

وهذا ــ والله أعلم ــ معنى قول الإمام أحمد، وقد سأله أبو طالب: أتجهر ببسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: بالمدينة نعم. وهاهنا من كان يقول إنها آية من كتاب الله, مثل ما قال ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم آية. وأبو هريرة: هي إحدى [ص ٢٧١] آياتها. وابن الزبير كان يجهر (¬١) ببسم الله الرحمن الرحيم, ويتأولها (¬٢) أنها آية من كتاب الله.
وحمل (¬٣) القاضي هذا على أن أهل المدينة كانوا يرون الجهر, فإذا خافتَ استنكروا فعلَه، فلم يصلُّوا معه. وليس كذلك, فإنَّ أهل المدينة كانوا لا يقرؤونها سرًّا ولا جهرًا, فأراد أحمد - رضي الله عنه - أن يجهر بها الرجل هناك؛ ليبيِّن أن قراءتها سنة, ويكون قدوته في الجهر بها من جهَر بها من الصحابة على هذا التأويل. ولذلك ما أمر بقراءتها بعد الاستعاذة. قال: ومالك لا يرى ذلك, وما يعجبني هذا من قوله.
والجهر بها على [هذا] (¬٤) الوجه مستحب، لما قدَّمناه. فأما اتخاذ الجهر بها سنَّةً، فمكروه. نصَّ عليه في غير موضع, لأنه خلاف السنة. فأما النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا شك أن المعروف من حاله كان ترك الجهر, كما نطقت به الأحاديث الصحيحة, وعمل به الخلفاء الراشدون. وما نقل عنه من الجهر بها ــ إن صحَّ وكان (¬٥) له أصل ــ فله ثلاثة أوجه:
---------------
(¬١) انظر: «الأوسط» (٣/ ١٢٦). وفي الأصل والمطبوع: «كانوا يجهرون». ولعله سهو من النساخ.
(¬٢) قال الناسخ في الحاشية: «لعله: ويتأولونها» نظرًا لما كان في أصله: «يجهرون».
(¬٣) في الأصل: «وحمله»، ونبَّه الناسخ على صوابه في الحاشية.
(¬٤) زيادة منِّي.
(¬٥) في الأصل: «كان» دون واو العطف، والتصحيح من حاشية الناسخ.

الصفحة 704