كتاب شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

أرادوا أن يصبِّحوا العدوَّ، وكانت عزيمة.
وأما الإعراض عن الفطر تعمّقًا وتنطّعًا، أو استعظامًا للفطر وإكبارًا له، فمثل ما روَتْ عائشةُ قالت: «رخّص رسولُ الله في أمر، فتنزّه عنه ناسٌ من الناس، فبلغ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فغضب حتى بان الغضب في وجهه، فقال: «ما بال أقوال يرغبون عمّا رُخّص لي فيه، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشيةً» متفق عليه (¬١).
وكما (¬٢) أراد جماعةٌ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتبتَّلوا، وقال أحدُهم: أمّا أنا فأصومُ ولا (¬٣) أفطر، وقال الآخر: أما أنا أقوم لا أنام. وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحمَ. وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساءَ، فبلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرُهم، فقال: «لكنّي (¬٤) أصومُ وأفطرُ، وأقومُ وأنامُ، وآكلُ اللحمَ، وآتي النساءَ، فمَن رغبَ عن سنّتي فليس منّي» (¬٥). وأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} (¬٦) [المائدة: ٨٧].
والأكلُ في السفر مِن طيّبات ما أحلّ الله لنا، فمَن اجتنبه تنزّهًا عنه ــ كالذي يجتنب اللحمَ والنساء ــ كان داخلًا في هؤلاء. وبهذا وشِبْهه مَرَقت
---------------
(¬١) أخرجه البخاري (٦١٠١، ٧٣٠١)، ومسلم (٢٣٥٦).
(¬٢) المطبوع: «كما».
(¬٣) س: «لا».
(¬٤) ق: «لكن».
(¬٥) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١) بنحوه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -.
(¬٦) ينظر «تفسير الطبري»: (٨/ ٦٠٧ - ٦٠٨)، و «أسباب النزول» (ص ٣٣٥) للواحدي.

الصفحة 183