كتاب شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

والحديث المرفوع يحتمل شيئين (¬١):
أحدهما: أن تلك الليلة كانت مقمرة، فكان يُبصر مواقعَ النّبْل لضوء القمر (¬٢)، فاعتقد أنه من ضوء النهار، وهذا يشتبه كثيرًا في الليالي التي يُقمِر آخرُها، وتقدّم ذِكْر أحمد نحو هذا.
قال حرب: سألته، قلت: رجل يأكل بعد طلوع الفجر في رمضان وهو لا يعلم؟ قال: يعيد يومًا مكانه. قلت: فالأحاديث التي رُويَت في هذا، وذكرتُ له حديثَ حذيفة؟ قال: إنه ليس في الحديث أن الفجر كان قد طلع.
الثاني: أن يكون هذا منسوخًا، وكان هذا في الوقت الذي كان رجالٌ يربط أحدُهم في رجليه خيطًا أبيض وخيطًا أسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، حتى نزل قوله: {مِنَ الْفَجْرِ}، ويكون هذا كان الواجب عليهم كما فهموه من الآية، ثم نُسِخ ذلك بقوله: {مِنَ الْفَجْرِ}.
وكذلك قوله في الحديث المرسل: «لولا بلالٌ لرجونا أن يُرَخَّص لنا إلى طلوع الشمس» دليلٌ على أن التحديد بالفجر لم يكن مشروعًا إذ ذاك.
وأما حديث: «فكلوا واشربوا حتى ينادي ابنُ أمِّ مكتوم» (¬٣)، وقوله: «إذا سمع أحدُكم النداءَ والإناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجتَه» (¬٤)، فقد قال أحمد في الرجل يتسحّر فيسمع الأذان. قال: يأكل حتى يطلع الفجر.
---------------
(¬١) المطبوع: «أحد شيئين».
(¬٢) ق: «الفجر»، خطأ.
(¬٣) تقدم تخريجه.
(¬٤) تقدم تخريجه.

الصفحة 437