كتاب قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه
من قريب أو لا من بعيد، وفي هذا أيضا إشارة من صاحب الكتاب لأهمِيَّة اعتبار الجوانب غير اللُّغَوِيَّة في التوجيه الإعرابِيّ.
وفي النَّصّ الثاني إشارة مُهِمَّة على أَنَّ العلامة الإعرابِيّة لها في حد ذاتها دلالة.
***
ـ حال المُتَكَلِّم ودوره في التوجيه الإعرابِيّ وإثرائه:
يمكن أَنْ ننتقل بالحديث من تأثير السِّياق على التوجيه الإعرابِيّ من دائرة واسعة تشمل السِّياق بكل مكوناته إلى دائرة أكثر تحديدا تختصُّ ببعض عناصر السِّياق، وبالتحديد عنصرين أثبتنا أهميَّتهما قبل، وهما: المُتَكَلِّم، والمخاطب. لقد أكَّدنا في موضع سابق من البحث أَنَّ المُتَكَلِّم والمخاطب كانا من أهم العناصر التي اعتمد عليها سيبويه، وهنا سنُجلي بشكل أوضح دور كل منهما في التوجيه الإعرابي.
من العناصر التي تلعب دورا مهمًّا في إثراء التوجيه الدِّلَالِيّ التي نبَّه عليها سيبويه وأشار إليها مرارا وتكرارا «المُتَكَلِّم»؛ فهو يلعب دورا مهما في التوجيه الإعرابِيّ، واستطاع سيبويه في نصوص كثيرة إبراز هذا الدور، وأبرز أَنَّ المُتَكَلِّم يلعب دورا في التوجيه الإعرابِيّ من خلال:
أإمكانيَّة سكوته.
ب إرادته.
ت حالته النفسِيَّة ومكنونها.
أـ إمكانيَّة سكوته:
أما إمكانيَّة سكوت المُتَكَلِّم وأهمِيَّة هذا السكوت في التوجيه الإعرابِيّ فقد أبانها سيبويه في عدة مواضع، منها مثلا:
ـــــ عند معالجة سيبويه لكسر همزة إِنَّ وفتحها يناقش الخليلَ في بعض الجمل المتعلِّقة بهذه المسألة، فيسأله عن قوله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُم إنَّها إذا جاءتْ لا يُؤْمِنُون}) (¬1) [الأنعام: 109]، فيقول: «ما
¬_________
(¬1) الآية بتمامها برواية حفص: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}، ويقول ابن كثير في تفسيرها: ((يقول تعالى إخبارا عن المشركين، إِنَّهُم أقسموا بالله جهد أيمانهم أي حلفوا أيمانا مؤكدة لئن جاءتهم آية ـــ أي معجزة وخارقة ــــ ليؤمنن بها؛ أي ليصدقنها، قل: إنَّما الآيات عند الله أي قل: يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات، تعنتا وكفرا وعنادا لا على سبيل الهدى والاسترشاد، إِنَّمَا مرجع هذه الآيات إلى الله، إِنْ شاء جاءكم بها، وإن شاء ترككم. ... وقوله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}، قيل: المخاطب بما يشعركم المشركون وإليه ذهب مجاهد وكَأَنَّه يقول لهم، وما يدريكم بصدقكم، في هذه الأيمان التي تقسمون بها)). تفسير القرآن، 2/ 264 أي أن مقصود قوله تعالى {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} أي: وما يعلمكم ـــ أَيها المؤمنون ـــ أَن الآيات التي طلبها المشركون ـــ إذا جاءَت ــــ كما طلبوا ــــ يؤْمنون بما دعاهم إِليه الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ؟ وقد بين الله ـــ بهذه الجملة ــــ أَن أَيْمَانُهم فاجرةٌ. وأنَّهُم لا يؤْمنون إذا حُقِّق لهم ما طلبوه. ثم قال ابن كثير عن قراءة الآية {وَمَا يُشْعِرُكُم إنها إذا جاءتْ لا يُؤْمِنُون} بكسر إنها ((على استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عن مجيء الآيات التي طلبوها)) .. تفسير القرآن، 2/ 264 وواضح من كلام سيبويه في هذا الموضع أن الخليل رفض رواية فتح همزة إِنَّ؛ حتى لا تبدو الآية كَأَنَّها عذر للمشركين. ولكن أئمة التفسير ومنهم ابن كثير خرَّجوا الآية بعيدا عما قصده الخليل هنا. والآية ـــ بكسر همزة إِنَّ ــــ هي قراءة ((ابن كثير، أبو عمرو، عاصم، العليمي، الأعمش، أبو بكر، خلف، يعقوب ابن محيصن، اليزيدي، الحسن، مجاهد)). ينظر: عبد العال سالم مكرم، د. أحمد مختار عمر: معجم القراءات القُرْآنِيَّة، مطبوعات جامعة الكويت، ط 2، ) 1988 م (، 2/ 308، أما قراءة حفص فهي: ((أَنَّهَا))، ويبدو أن قراءة حفص هذه لم تكن مألوفة عند معاصره سيبويه.